إِذ يتلقَّى المتلقيان أي : الملكان الحافظان لأعمال العبد. والظرف : منصوب بما في " أقرب " من معنى الفعل، أي : يتقرب إذ يتلقى. والمعنى : أنه تعالى لطيف يتوصل علمُه إلى ما لا شيء أخفى منه، وهو أقرب للإنسان من كل قريب، حين يتلقى الحافظان ما يُتلفظ به، وفيه إيذان بأنه تعالى غنيٌّ عن استحفاظها ؛ لإحاطة علمه بما يخفى عليهم، وإنما ذلك لما في كتبهما وحفظهما لأعمال العباد، وعرض صحائفها يوم يقوم الأشهاد، وعلم العبد بذلك مع علمه بإحاطته بتفاصيل أحواله من زيادة لطف به في الكف عن السيئات، والرغبة في الحسنات. ثم ذكر مكانهما بقوله : عن اليمين وعن الشمال قَعِيدٌ أي : عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، وحذف الأول لدلالة الثاني عليه. وقعيد : بمعنى مقاعد، كالجليس بمعنى المجالس، أو : بمعنى قاعد، كالسميع والعليم. وعنه صلى الله عليه وسلم :" إن مقعد ملَكيْك على ثَنِيَّتِيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادُهما، وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا منهما ! " ١ وقال الضحاك : مجلسهما تحت الثغر من الحَنَك، ورواه عن الحسن، وكان يُعجبه أن ينظف عنفقته٢.
وقوله تعالى : ونحن أقربُ إليه من حبل الوريد أي : أنا أقرب إلى كل أحد من عروق قلبه، وهذا لأن قيام الفعل بالصفات، والصفات لا تُفارق الذات، فالقرب بالعلم والقدرة، وتستلزم القرب بالذات، وقرب الحق من خلقه هو قرب المعاني من الأواني، إذ هي كليتها وقائمة بها، فافهم. قال القشيري : وفي هذه الآية هَيْبَةٌ وفَزَعٌ لقوم، ورَوْحٌ وأُنْسٌ وسُكونُ قلبٍ لقوم. هـ. وقوله تعالى : إذ يَتَلقى المتلقيان... الخ، كأنّه تعالى يقول : مَن لم يعرف قدر قُربي منه، بأن يَعده وهمُه وجهلُه، فإني أوكل عليه رقيبين يحفظان أعماله لعله ينزجر.
وقوله تعالى : ما يلفظ من قول... الخ، وأما عمل القلوب فاختص الله تعالى بعلمها، وهي محض الإخلاص. قال بعضهم : الإخلاص : إخفاء العمل بحيث لم يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيُفسده، فالعارفون جُلّ أعمالهم قلبية، نظرة أو فكرة. رُوي أن بعض العارفين قال له حفظتُه : يا سيدي أظهر لنا شيئاً من أعمالك نفرح به عند الله، فقال لهم : يكفيكم الصلوات الخمس. هـ. قال القشيري : وفيه أيضاً إشارة إلى كمال عنايته في حق عباده، إذ جعل على كل واحد رقيبين من الملائكة ليحفظوه بالليل والنهار، إذا كان قاعداً فواحد عن يمينه وواحد عن شماله، وإذا قام فواحد عند رأسه، وواحدٌ عند قَدَمِه، وإذا كان ماشياً فواحدٌ بين يديه وواحد خَلْفه. انظر بقيته. هـ. وهذان غير الملكين الموكلين بحفظ الأعمال. والله أعلم.
وقال في قوله : وجاءت سكرةُ الموت بالحق : إذا أشرفت النفسُ على الخروج من الدنيا، فأحوالهم تختلف، فمنهم مَن يزداد في ذلك الوقت خوفُه، ولا يتبيّنُ حاله إلا عند ذهاب الروح، ومنهم مَن يُكَاشف قبلَ خروجه فتَسُكُن روحُه، ويُحفظ عليه عَقْلُه، ويتم له حضورُه وتمييزُه، فسلَّم الروحَ على مَهَلٍ من غير استكراهٍ وعبوس منهم. وفي معناه يقول بعضهم :
ونُفخ في الصور ذلك يوم الوعيد لكل نفس ما وعدها الله، بحسب سيرها من أول العمر إلى يوم البعث، وجاءت كل نفس معها سائق وهو الذي ساقها في مبدأ الوجود، إما سوقاً باللطف، أو سوقاً بالعنف عند قوله :" هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي " ١، وشهيد يشهد عليها بما جرى لها من الأحكام الأزلية لقد كنتَ في غفلة من هذا قال القشيري : يُشير إلى أن الإنسان، وإن خُلق من عالم الغيب والشهادة، فالغالب عليه في البداية الشهادة، وهو العالم الحسي، فيرى بالحواس الظاهرة العالَم المحسوس مع اختلاف أجناسه، وهو بمعزل عن إدراك عالم الغيب، فمن الناس يكشف له غطاؤه عن بصره بصيرته، فيجعل حديداً، يبصر رشده، ويحذر شره، وهم المؤمنون من أهل السعادة، ومنهم مَن يكشف له غطاء عن بصر بصيرته يوم القيامة يوم لا ينفع نفساً إيمانها.. الآية٢، وهم الكفار من أهل الشقاوة. هـ. أنا إنْ مِتُّ فالهوى حشو قلبي وبداءِ الهوى تموت الكرامُ
٢ العنفقة: شعيرات بين الشفة السفلى والذقن..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي