والإشارة بقوله : هذا مَا تُوعَدُونَ إلى الجنة التي أزلفت لهم على معنى : هذا الذي ترونه من فنون نعيمها ما توعدون، والجملة بتقدير القول : أي ويقال لهم : هذا ما توعدون. قرأ الجمهور توعدون بالفوقية، وقرأ ابن كثير بالتحتية لِكُلّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ هو بدل من للمتقين بإعادة الخافض، أو متعلق بقول محذوف هو حال : أي مقولاً لهم لكل أوّاب، والأوّاب : الرجاع إلى الله تعالى بالتوبة عن المعصية، وقيل : هو المسبح، وقيل : هو الذاكر لله في الخلوة. قال الشعبي، ومجاهد : هو الذي يذكر ذنوبه في الخلوة، فيستغفر الله منها. وقال عبيد بن عمير : هو الذي لا يجلس مجلساً حتى يستغفر الله فيه، والحفيظ : هو الحافظ لذنوبه حتى يتوب منها. وقال قتادة : هو الحافظ لما استودعه الله من حقه ونعمته، قاله مجاهد. وقيل : هو الحافظ لأمر الله. وقال الضحاك : هو الحافظ لوصية الله له بالقبول.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مّنْ هذا قال : هو الكافر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ قال : الحياة بعد الموت. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً، و قَالَ قرِينُهُ قال : شيطانه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله : لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ قال : إنهم اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم، وردّ عليهم قولهم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً. في قوله : وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ للْعَبِيدِ قال : ما أنا بمعذّب من لم يجترم. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً، في قوله : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ قال : وهل فيّ من مكان يزاد فيّ ؟ وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول : هل من مزيد حتى يضع ربّ العزّة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول : قط قط، وعزّتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله لها خلقاً آخر، فيسكنهم في فضول الجنة». وأخرجا أيضاً من حديث أبي هريرة نحوه، وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن جرير والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله : لِكُلّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ قال : حفظ ذنوبه حتى رجع عنها. وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن أنس، في قوله : وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ قال : يتجلى لهم الربّ تبارك وتعالى في كل جمعة. وأخرج البيهقي في الرؤية، والديلمي عن عليّ في الآية قال : يتجلى لهم الربّ عزّ وجلّ، وفي الباب أحاديث.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني