ﮊﮋﮌﮍﮎ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٩:قوله تعالى : فاصبر على مَا يَقُولُونَ من كَذِبِهِمْ، وقولهم بِالاسْتِرَاحَةِ، أو على قولهم : إن هذا لشيء عَجِيبٌ. وهذا قبل الأمر بقتالهم.
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قيل : هذا أَمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة كقوله تعالى : وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ الليل [ هود : ١١٤ ] وقوله قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ الغروب إشارة إلى طرفي النهار، وقوله : وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ إشارة إلى زُلَفاً مِّنَ الليل ١.
وتقريره أنه - عليه الصلاة والسلام - كان مشتغلاً بأمرين :
أحدهما : عبادة الله.
والثاني : هداية الخلق، فإذا لم يهتدوا قيل له : أقبل على شغلك الآخر وهو العبادة.
وقيل : معنى سَبِّحْ بحمد ربك، أي نَزِّههُ عما يقولون ولا تَسْأَمْ من تذكيرهم بعَظَمَةِ الله، بل نَزِّهه عن الشرك والعجز عن الممكن وهو الحشر قبل الطلوع وقبل الغروب ؛ فإنهما وقت اجتماعهم ويكون المراد بقوله : وَمِنَ اللّيل فَسَبِّحْهُ أوله، لأنه أيضاً وقت اجتماعهم.
وقيل : المعنى : قُلْ سُبْحَان الله، لأن ألفاظاً جاءت بمعنى التلفظ بكلامهم كقولهم : كَبَّر لمن قال : اللَّهُ أَكْبَرُ وسلَّم لمن قال : السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، وحمَّد لمن قال : الْحَمْدُ لله. وهلَّك لمن قال : لاَ إله إلاَّ الله، وسبَّح لمن قال : سُبْحَان الله، وذلك أن هذه أمورٌ تَتَكَرَّر من الإنسان في الكلام، [ فدعت ]٢ الحاجة إلى استعمال لفظة واحدة مفيدة للكلام وقالوا : هلل بخلاف قَوْلِهِمْ : زَيْدٌ فِي السُّوقِ، فإنَّ من قال : زيد في السوق وأراد أن يخبر عنه بذلك لا يجد لفظاً واحداً مفيداً لذلك لعدم تكرره.
ومناسبة هذا الوجه : هو٣ أن تكذيبهم وإنكارهم يقتضي مقابلتهم باللَّعْنِ، فقيل له : اصْبِرْ عَلَيْهِمْ، واجعل بدل الدعاء عليهم التسبيح لله، والحمد لله، وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت أو كنوحٍ - عليهما الصلاة والسلام - حيث قال : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً [ نوح : ٢٦ ].

فصل


وقد استعمل التسبيح مع الباء ومع اللام وبدونهما. فإن قلنا : المراد بالتسبيح الصلاة فيحتمل أن يكون المراد بحمد ربك : الأمر بقراءة الفاتحة، كقولك : صَلَّى فلانٌ بسورة كذا. وهذا بعيدٌ.
وإن قلنا المراد : قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، فالباء للمصاحبة. وكذلك إن قلنا : معناه التَّنْزِيهُ أي نَزِّهْهُ واحمَدْهُ حيث وَفَّقَكَ لتسبيحه فيكون المفعول محذوفاً، للعلم به، أي نزه الله بحمد ربك، أي ملتبساً أو مقترناً بحمد ربك٤.
وأما اللام فإمّا أن يكون من باب شَكَرَ ونَصَحَ٥، وإما أن يكون معناها خالصاً لله٦.
وأما تعدّيه بنفسه فهو الأصل. وأعاد الأمر للتسبيح، إما تأكيداً وإما أن يكون الأول بمعنى الصلاة، والثاني بمعنى التَّسْبِيح والذكر. ودخلت الفاء ؛ لأن المعنى : وأمَّا من الليل فسبحه٧.
ولما ذكر أوقات الصلوات ذكر أدْبَار السُّجود ؛ ليَعُمَّ الأوقات فيكون كقوله : فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب [ الشرح : ٧ ] و«من » إما لابتداء الغاية، أو٨ مِنْ أوَّل الليل، وإمَّا للتبعيضِ٩.

فصل


قال المفسرون : قبل طلوع الشمس يعني صلاة الصبح، وقبل الغروب يعني العصر، وروي عن ابن عباس : قبل الغروب الظهر والعصر وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ يعني صلاة المغرب، والعِشَاءِ. وقال مجاهد : ومِنَ الليل يَعْنِي صلاة الليل، أيّ وقت صلى١٠.
قوله :«وأدبار السجود » قرأ نافع وابن كثير، وحمزة : إدبار بكسر الهمزة١١، على أنه مصدر قَامَ مَقَام ظَرْف الزمَان كقولهم : آتِيكَ خُفُوقَ النّجم وخِلاَفَة الحجّاج. ومعنى وقت إدبار الصلاة أي انتصابها وتمامها١٢. والباقون١٣ بالفتح جمع ( دُبُر )١٤ وهو آخر الصلاة وعقبها. ومنه قول أوس :
عَلَى دُبُر الشَّهْرِ الْحَرَام فَأَرْضُنَا وَمَا حَوْلَهَا جَدْبٌ سِنُونَ تَلَمَّعُ١٥
ولم يختلفوا في : وَإِدْبَارَ النجوم [ الطور : ٤٩ ].
وقوله :«وأدبار » معطوف إمّا على «قَبْلَ الْغُرُوبِ » وإمّا على «وَمِنَ اللَّيْلِ ».

فصل


قال عمرُ بن الخطاب، وعليُّ بن أبي طالب، والحسنُ، والشعبيُّ، والنخعيُّ والأوزاعي : أدبار السجود الركعتان قبل صلاة الفجر، وهي رواية العَوْفي عن ابن عباس. وروي عنه مرفوعاً. وهذا قول أكثر المفسرين. وقال مجاهد : أدبار السجود هو التسبيح باللِّسان في أدبار الصلوات المكتوبات، قال - عليه الصلاة والسلام - :«مَنْ سَبَّحَ فِي دُبُر كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثاً وثلاثين وَكَبَّرَ ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ وَحَمَّدَ ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ » فَذَلك تِسْعَةٌ وتسعُونَ ثم قال :«تَمَام المِائَةِ لا إله إلا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ له الْمُلْكُ وَلهُ الْحَمْدُ يُحيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ »١٦.
١ وانظر الرازي ٢٨/١٨٤ و١٨٥..
٢ ما بين القوسين سقط من (أ). الأصل..
٣ في (ب) على..
٤ قال بهذا كله الإمام الفخر في التفسير الكبير ٢٥/١٨٥ بالمعنى منه..
٥ يقال شكرته ونصحته، وشكرت له ونصحت له..
٦ فيكون لبيان الأظهر، أي يسبحون الله وقلوبهم لوجه الله خالصة. وانظر الرازي المرجع السابق..
٧ فيكون متضمنا الشرط، فهو كقوله: "فأما اليتيم فلا تقهر"..
٨ في (ب) أي وهو الصحيح..
٩ وانظر الرازي بالمعنى المرجع السابق ٢٨/١٨٥..
١٠ وانظر تلك المعاني والأقوال في البغوي والخازن ٦/٢٣٩ والقرطبي ١٧/٢٤..
١١ وهي سبعية متواترة ذكرت في الكشف ٢/٢٨٥، والسبعة ٦٠٧ والإتحاف ٣٩٨..
١٢ والتقدير: ومن الليل فسبحه ووقت أدبار السجود، أي وسبحه وقت. أقول: والمصادر تجعل ظروفا على تقدير إضافة أسماء الزمان إليها وحذفها اتساعا وحذف المضاف في هذا الباب هو المستعمل في أكثر الكلام. وانظر الكشف لمكي ٢/٢٨٧..
١٣ وهم أبو عمرو وابن عامر، وعاصم، والكسائي..
١٤ وقد استعمل ذلك أيضا ظرفا، قالوا: جئتك دُبر وكل صلاة. انظر الكشف المرجع السابق..
١٥ من الطويل له كما هو ظاهر في ديوانه دار صادر ٥٨ ورواية الديوان:
وجئنا بها شهباء ذات أشلّةٍ لها عارض فيه المنيّة تلمع
ورواية المؤلف هي رواية البحر لأبي حيان. ورواه ابن يعيش في المفصل٢/٤٥ "جدّت" بدل جدب و"بأرضنا" بدل "فأرضنا" والشاهد: على دبر فالدبر هنا ظرف أيضا ومعناه العَقِب كقولنا: جئتك في دبر كل صلاة. وانظر مجمع البيان ٩/٢٢٢ والسراج المنير ٤/٩١ والبحر المحيط ٨/١٣٠..

١٦ خرجه البغوي في معامل التنزيل عن أبي هريرة، وانظر هذه الأقوال في البغوي والخازن ٦/٢٤٠ والقرطبي ١٧/٢٥ و٢٦..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية