ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

قوله تعالى : فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنوباً قد تقدم الكلام على الفاء في وجه التعلق١. والمراد بالذين ظلموا : كفار مكة. ومعنى ذنوباً أي نصيباً من العذاب مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ أي مثل نصيب أصحابهم الذين هلكوا من قوم نوح وعادٍ، وثمود. والذنوب : في الأصل الدلو العظيمة المملوءة ماء، وفي الحديث الشريف :«فَأُتي بذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ » فإن لم تكن مَلأَى فهو الدَّلْو، ثم عبر به عن النَّصيب، قال علقمة :
وَفِي كُلّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتُ بِنِعْمَةٍ *** فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنوبُ٢
ويجمع في القلة على أَذْنِبَةٍ، وفي الكثرة على ذَنَائِبَ. وقال المَلكُ٣ لما أنشد هذا البيت نَعَمْ وأَذْنِبَة.
وقال الزمخشري : الذَّنُوب الدلو العظيمة، وهذا تمثيل أصله في السّقاة يقتسمون٤ الماء فيكون لهذا ذنوب٥ ولهذا ذنوب قال الشاعر :
لَنَا ذَنُوبٌ ولَكُم ذنُوبُ *** فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلَنَا القَلِيبُ٦
وقال الراغب : الذنوب الدلو الذي له ذنب انتهى٧. فراعى الاشتقاق. والذنوب أيضاً الفَرَسُ الطّويل الذّنب وهو صفة على فَعُول. والذَّنوب لحم أسفل المَتْن٨. ويقال : يَوْم ذَنُوب أي طويل الشّر٩ استعارة من ذلك.
قوله : فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ أي بالعذاب. ووجه مناسبة الذنوب أن العذاب منصبّ عليهم كما يُصَبُّ الذَّنُوبُ، قال تعالى : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم [ الحج : ١٩ ] وقال تعالى : ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الحميم [ الدخان : ٤٨ ] والذّنوب كذلك فكأنه قال : نصبّ فوق رؤوسهم ذَنُوباً من العذاب كذنوب صُبّ فوق رؤوس أولئك. ووجه آخر وهو أن العرب يستقون من الآبار على النَّوْبَة ذنوباً فذنوباً وذلك وقت عيْشِهم الطيب، فكأنه تعالى قال : فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ من الدنيا وطيباتها «ذَنُوباً » إذا ملأوه ولا يكون لهم في الآخرة من نصيب كما كان عليه حال أصحابهم استقوا١٠ ذنوباً وتركوها، وعلى هذا فالذنوب ليس بعذاب ولا هلاك وإنما هو رَغَدُ العيش.
قال ابن الخطيب : وهو أليق بالعربية١١.

١ وذلك لأن الله تعالى لما بين أن من يضع نفسه في موضع عبادة غير الله يكون وضع الشيء في غير موضعه فيكون ظالما فقال: إذا ثبت أن الإنس مخلوقون للعبادة فإن الذين ظلموا بعبادة الغير لهم هلاك. وانظر: الرازي السابق ٢٨/٢٣٧..
٢ من الطويل وهو لعلقمة بن عبدة، والبيت روايته كرواية البحر والكشاف والقرطبي والكتاب، وروى أبو عبيدة في المجاز ٢/٢٢٨: وفي كل يوم وبنائل. وشَاشُ أخو الشاعر، وخبطت أسديت وأعطيت. والشاهد في الذنوب فهو الدلو وضربه مثلا في القسم والحظ وقد تقدم.
وانظر: الكتاب ٤/٤٧١ والبحر ٨/١٣٢ والكشاف ٤/٢١ وشرح شواهده ٤/٣٤٥ وشرح شواهد الشافية ٤٩٤ وابن يعيش ٥/٤٨ و١٠/٤٨ و١٥١ والقرطبي ١٧/٥٧ وروح المعاني٢٧/٢٤ ومجمع البيان ٩/٢٤٢ والديوان ١٣٢ والوهبية ١٢٣٩..

٣ والملك الذي يقصده الحارث بن أبي شمر الغسّاني وكان قد أسره..
٤ كذا في أ وفي ب يقسمون وفي الكشاف: يتقسمون..
٥ وانظر: الكشاف ٤/٢١ و٢٢..
٦ لم أعرف نسبة هذا البيت لمعين فلم تنسبه المراجع التي رجعت إليها وهو من الرجز، فالزمخشري لم ينسبه بينما نسب ما قبله إلى عمرو بن شاس وكذلك لم ينسبه الفراء، والشاهد فيه: ذنوب فهي هنا بمعنى الدلو العظيمة فالمعنى أنه يقسم الماء مرة له ومرة لهم فإن أبو فالقليب أي البئر لهم وانظر: القرطبي ١٧/٥٧ ومعاني الفراء ٣/٩٠ والكشاف ٤/٢١ وشرح شواهده ٣٤/٤ والبحر ٨/١٣٢ ومجمع البيان ٩/٢٤٢ وقد ورد بشرح شواهد الكشاف:
إنا إذا شاربنا شريب *** له ذنوب ولنا ذنوب
فإن أبي فله القليب ***.................
والمعنى: إني أوثر شريبي بالحظ الأوفر، والنصيب الأجزل، فإن لم يرض أوثره بالجميع..

٧ قاله في المفردات ١٨١ (ذنب)..
٨ قاله الجوهري في الصحاح "ذنب"..
٩ نقله القرطبي في ١٧/٥٧ عن ابن الأعرابي. وانظر في هذا اللسان ذنب ١٥٢١..
١٠ في ب اسقوا..
١١ انظر: تفسير الإمام فخر الدين الرازي ٢٨/٢٣٨..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية