تمهيد :
تأتي هذه الآيات في ختام سورة الذاريات، وفيها تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل مكة لم يكونوا بدعا من الأمم، فقد كُذّبت الرسل وأوذيت، واستمر التكذيب من عهد نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فهل وصَّى السابق منهم إلى اللاحق ؟ كلاّ.. إنهم لم يتقابلوا، وإنما جمعهم الطغيان والعِناد، والخروج على أمر الله، وقد خلق الله الجنّ والإنس لمعرفته وطاعته، وهو سبحانه غير محتاج إليهم، لأنه سبحانه هو الرزاق القوي المقتدر، وغداً سيجد هؤلاء الكفار العذاب الذي ينتظرهم، وقد تقدمت الجن في الذّكر على الإنس لأنها خلقت أولا، والإنس ثانيا.
المفردات :
ذَنُوبا : نصيبا من العذاب، وأصل الذنوب : الدلو العظيمة الممتلئة ماء، فاستعيرت للنصيب مطلقا.
أصحابهم : نظرائهم.
التفسير :
٥٩- فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ .
لقد خلقت الجن والإنس لعبادتي ومعرفتي، فمن خرج عن طاعتي وكفر برسلي، وظلم نفسه فحرمها من معرفة الله وعبادته، وشقَّ عصا الطاعة على المرسلين، وكفر بالله رب العالمين، هذا الظالم له نصيب من العذاب هو وإخوانه، مثل نصيب أصحابهم الظالمين السابقين عليهم، الذين أهلكهم الله بذنوبهم، كقوم نوح وعاد وثمود، وقوم لوط وفرعون وملئه.
قال قتادة :
سَجّلاَ من العذاب مثل سَجْل أصحابهم، فلا يطلبوا منّي أن أعجّل في الإتيان بالعذاب قبل أوانه، فهو لاحق بهم لا محالة. أه.
والسَّجل : الدَّلو المليئة، فاستعيرت للنصيب مطلقا، شرّا كان النصيب أو خيرا.
وقال الزمخشري في تفسير الكشاف :
هذا تمثيل، أصله : السقاة يقتسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب. أه.
والخلاصة : سيقتسم كفار مكة نصيبهم من العذاب مثل أصحابهم المكذبين، فلا يتعجلون هذا العذاب، فإنه قادم لا محالة، وإن الله لا يعجل لعجلة العباد، ولا يدركه العجز عن تنفيذ ما أراد.
وهذا جواب عن قولهم : فأْتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. ( هود : ٣٢ ).
ونحو الآية قوله تعالى : أتى أمر الله فلا تستعجلوه.. . ( النحل : ١ ).
تفسير القرآن الكريم
شحاته