قوله : أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ عقولهم بهاذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ والإشارة بقوله :«بِهَذَا » إلى ما ظهر منهم عقلاً ونقلاً. وهو عبادة الأوثان وقولهم(١) الهَذَيَان. وقيل : إشارة إلى قولهم : كَاهنٌ وشاعرٌ ومجنونٌ. وقيل إشارة إلى التربص وذلك أن الأشياء إما أن تَثْبُتَ بعقلٍ أو نقلٍ فقال : هل ورد أمرٌ سَمْعِيّ أم عقولهم(٢) تأمرهم بما كانوا يقولون أم هم قوم طاغون مُفْتَرُونَ ويَقُولُونَ ما لا دليل عليه سمعاً ولا مقتضى له عقلاً ؟ والطُّغْيَان مُجَاوَزَةُ الحَدِّ في العِصْيَانِ وكذلك كل شيء مكروهٌ ظاهرٌ، قال تعالى : لَمَّا طَغَا الماء [ الحاقة : ١١ ].
واعلم أن قوله :«أَمْ تَأمُرُهُمْ » متصل تقديره : أنزل عليهم ذكر أم تأمرهم أحلامهم بهذا. وفي هذه الآية إشارة إلى أن كل ما لا يكون على وَفْق العقل لا ينبغي أن يقال ؛ وإنما ينبغي أن يقال ما يجب قولهُ عقلاً.
والأحلام جمع حِلم وهو العقل فهما من باب واحد من حيث المعنى لأن العقل يضبط المرء فيكون كالبعير المَعْقُول لا يتحرك عن مكانه والحِلْم من الاحتلام، وهو أيضاً سبب وقار المرء وثباته لأن الحُلم في أصل اللغة هو ما يراه النائم فينزل ويلزمه الغسل الذي هو سبب البلوغ وعنده يصير الإنسان مكلّفاً، فالله تعالى من لطيفِ حِكمته قَرَن الشهوة بالعقل وعند ظهور الشهوة يكمل العقل ويكلف صاحبه فأشار تعالى إلى العقل بالإشارة إلى ما يقارنه وهو الحِلْم ليعلم أنه يريد به كمال العقل(٣).
٢ في ب عقليّ..
٣ وانظر في هذا كله تفسير الرازي ٢٨/٢٥٦ و٢٥٧..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود