تأمرهم : ترشدهم وتوجههم.
أحلامهم : عقولهم- كانت قريش يُدْعَوْنَ :[ أهل الأحلام والنهى ].
طاغون : متجاوزون الحدود.
فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ( ٢٩ ) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ( ٣٠ ) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ( ٣١ ) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ( ٣٢ ) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ( ٣٣ ) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ( ٣٤ ) .
انبعث كثير من كبار المشركين من قريش فآذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورموه بالسحر والجنون. والشعر والكهانة، فبرّأه الله مما قالوا، وثبته على الدعوة الراشدة التي يدعو إليها، وبشره بحسن عاقبته والمؤمنين، وبما أعد من خزي للمعاندين، كما تحداهم أن يجيئوا بمثل الكتاب الحق إن كانوا صادقين، فعجزوا وقامت حجة الله على المكابرين، فبنعمة الله عليك لست بكاهن ولا مجنون، فذكر بالحق وعظهم، بل وحين يتربصون بك الهلاك قل لهم- متوعدا إياهم- : انتظروا وترقبوا فإني مترقب أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا- عذابا عاجلا يسبق العذاب الآجل- بل إن كانوا ذوي عقل فهل أرْشَدَتْهُم عقولهم إلى ما فيه فوزهم وفلاحهم، فاتبعوا ما جاءهم من الرشد والهدى الذي بعثت به ؟ بل حين يزعمون أنك افتريت القرآن فادمغهم وطالبهم أن يجيئوا بكلام من عندهم يشبهه أو يضاهيه ؛ وهيهات فلو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله فلن يستطيعوا ولو كان بعضهم معينا للآخرين.
وهكذا كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر ١ مثلما قالت ثمود لرسولهم : قالوا إنما أنت من المسحرين ٢ وقال أصحاب الأيكة لرسول الله إليهم : قالوا إنما أنت من المسحرين ٣ والمُسَحَّر : المخدوع المفسد، أو المجوف الفارغ ؛ والفراعنة رموا موسى عليه السلام بالباطل وآذوه وجحدوا الحق الذي أنزل معه : ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين. إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب ٤، فهي عماية عن الحق وضلال عن الرشد يتخبط في ظلماته كل مستكبر جاحد ؛ يقول الله جل علاه : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون. أتواصوا به بل هم قوم طاغون ٥.
[.. والباء في بكاهن مزيدة للتأكيد أي : ما أنت كاهن.. واختلفت في باء بنعمة فقال أبو البقاء : للملابسة، والجار والمجرور في موضع الحال والعامل فيه كاهن، أو مجنون ؛ والتقدير ما أنت كاهن ولا مجنون متلبسا بنعمة ربك عز وجل... والأقرب عندي أن الباء للسببية وهو متعلق بمضمون الكلام، والمعنى : انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله تعالى عليك.. والمراد الرد على قائل ذلك وإبطال مقالتهم فيه عليه الصلاة والسلام... والقائلون بذلك هم الكفرة قاتلهم الله تعالى أنّى يؤفكون.. ]٦.
نتربص به ريب المنون قال قتادة : قال قوم من الكفار : تربصوا بمحمد الموت يكفيكموه كما كفى شاعر بني فلان. قال الضحاك : هؤلاء بنو عبد الدار نسبوه إلى أنه شاعر، أي يهلك عن قريب كما هلك من قبل من الشعراء، وإن أباه مات شابا فربما يموت كما مات أبوه ؛ وقال الأخفش نتربص به إلى ريب المنون فحذف حرف الجر.. وقيل لعمرو بن العاص : ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقل ؟ فقال : تلك عقول كادها الله، أي لم يصحبها بالتوفيق وقيل : أحلامهم أي أذهانهم، لأن العقل لا يعطي للكافر ولو كان له عقل لآمن ؛ وإنما يعطي الكافر الذهن فصار عليه حجة...
[ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال : يا رسول الله ما أعقل فلانا النصراني ! فقال :( مه إن الكافر لا عقل له أما سمعت قول الله تعالى : وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ). وفي حديث ابن عمر : فزجره النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال :( مه فإن العاقل من يعمل بطاعة الله ) ذكره الترمذي الحكيم أبو عبد الله بإسناده ]٧.
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب