ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙ

تمهيد :
هنا يناقش القرآن المشركين، ويشدُّ أزر الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول :
( أ‌ ) استمر في أداء رسالتك ودعوتك، فلست بكاهن يخبر عن الأمور الخفية الماضية، ولست بفاقد للعقل، فأنت عُرفت برجاجة العقل، وبالحكمة شابا وناشئا، ومن باب أولى بعد بلوغ الأربعين.
( ب‌ ) إن الكفار مضطربون في تهمهم، ولا يثبتون على حال، فقد اجتمعوا في دار الندوة، وقال أحدهم : إن محمدا شاعر، فانتظروا أن يموت كما مات من سبقه من الشعراء، والموت كأس على رؤوس الجميع، فإن انتظروا موتك، فإنك أيضا تنتظر موتهم، أو ما يصيبهم من الموت المعنوي يوم بدر وغيره.
( ت‌ ) هل عقولهم تأمرهم برفض الإسلام دون مناقشة فكرته، أم هو الطغيان والعدوان ومجاوزة الحد في العناد.
( ث‌ ) وقالوا : محمد افترى هذا القرآن من عند نفسه، والحقيقة أنهم رفضوا الإيمان بالله ورسوله، فإن كانوا صادقين في هذه التهمة بأن محمدا اختلق القرآن ونسبه إلى الله فليأتوا بقرآن مثله، فهم أهل الشعر والخطب والفصاحة.
المفردات :
الأحلام : العقول.
طاغون : مجاوزون الحدّ في المكابرة والعناد.
التفسير :
٣٢- أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ .
هل عقولهم الراجحة تأمرهم بالوقوع في هذا الاضطراب، فيقولون : هو شاعر أو كاهن، ثم يقولون : هو مجنون، ومعنى شاعر : له عبقرية متميزة، تقرض الشعر المتميز، ومعنى كاهن : له ذكاء خارق يستطيع التنبؤ بالحكم الخفي في الأحداث السابقة، أما المجنون فهو من ذهب عقله واختفى، فكيف يوصف محمد بغاية الذكاء مرة، وبغيبة العقل مرة أخرى ؟ !
أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ .
بل إن السبب الحقيقي هو الطغيان، ومجاوزة الحدّ في الخروج عن الجادة والعناد، وبذلك انصرفوا عن الاستماع للقرآن، إذ ما فائدة العقول الراجحة، التي كان لها فضل على العرب في إنشاء أسواق عكاظ ومجنّة وذي المجاز، لعرض الرائع من القول، والمتميز من الشعر، والفائق من الخُطب، ثم يأتي القرآن عربيا مبينا، بلُغتهم وعلى طريق حوارهم، فيمنعهم الطغيان والعناد من النظرة المنصفة للقرآن الكريم.
قيل لعمرو بن العاص : ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله تعالى بالعقل ؟ فقال : تلك عقول كادها الله عز وجل، أي لم يصحبها التوفيق، فلذلك لم يؤمنوا وكفروا، وإذا تأملنا في الموضوع وجدنا أن قريشا كانت لها الصدارة في الجزيرة العربية، وتتمتع بمنزلة سامية في المجتمع المجاور لها، وقد خالطت أهل الشام في رحلة الصيف، وأهل اليمن في رحلة الشتاء، وكان الأولى بها أن تعتبر بما شاهدته.
وعقول أهل مكة كانت أسمى من أن تعتقد الألوهية للأصنام والتماثيل، وخصوصا بعد نزول القرآن، وتوضيح الرسول الأمين، لكنها المصالح الدنيوية، والأثرة والحرص على الغنى والجاه، والحرص على ممارسة الربا والزنا وشرب الخمر، وعدم إقامة الصلاة وعدم إيتاء الزكاة، كل هذا هو الذي حملهم على اتخاذ موقف الطغيان والعناد من الإسلام ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى : أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ .
( القصص : ٥٧ )
وقال عز شأنه : لإيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ . ( قريش : ١-٤ ).
وقال سبحانه وتعالى : فإنهم لا يكذبوك ولكنّ الظالمين بآيات الله يجحدون . ( الأنعام : ٣٣ ).
وقال سبحانه وتعالى : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوّا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين . ( النمل : ١٤ )

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الله محمود شحاتة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير