مخالف لقوله عليه السلام من صدق كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد قلت اللائح لى فى التوفيق أن يقال مصدق الكاهن يكون كافرا إذا اعتقد انه عالم بالغيب واما إذا اعتقد انه ملهم من الله أوان الجن يلقون مما يسمعون من الملائكة فصدقه من هذا فلا يكون كافرا انتهى كلام ابن الملك وفي هدية المهديين من قال اعلم المسروقات يكفر ولو قال انا اخبر عن اخبار الجن يكفر ايضا لان الجن كالانس لا يعلم غيبا وَلا مَجْنُونٍ وهو من به جنون وهو زوال العقل او فساده وفي المفردات الجنون الحائل بين النفس والعقل وفي التعريفات الجنون هو اختلال العقل بحيث يمنع جريان الافعال والأقوال على نهج العقل الا نادرا وهو عند ابى يوسف ان كان حاصلا في اكثر السنة فمطبق وما دونه فغير مطبق وفي التأويلات النجمية يشير الى ان طبيعة الإنسان متنفرة من حقيقة الدين مجبولة على حب الدنيا وزينتها وشهواتها وزخارفها والجوهر الروحاني الذي جبل على فطرة الإسلام في الإنسان مودع بالقوة كالجوهر في المعدن فلا يستخرج الى الفعل الا يجهد جهيد وسعى تام على قانون الشريعة ومتابعة النبي عليه السلام وإرشاده وبعده بإرشاد ورثة علمه وهم العلماء الربانيون الراسخون في العلم من المشايخ المسلكين وفي زمان كل واحد منهم والخلق مع دعوى إسلامهم ينكرون على سيرهم في الأغلب ويستبعدون ترك الدنيا والعزلة والانقطاع عن الخلق والتبتل الى الله وطلب الحق الا من كتب الله في قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه وهو الصدق في الطلب وحسن الارادة المنتجة من بذر يحبهم ويحبونهم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والا فمن خصوصية طبيعة الإنسان أن يمرق من الدين كما يمرق السهم من الرمية وان كانوا يصلون ويصومون وبزعمون انهم مسلمون ولكن بالتقليد لا بالتحقيق اللهم الا من شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه انتهى يقول الفقير في الآية تشريف للنبى عليه السلام جدا حيث ان الله تعالى ناب عنه في الجواب ورد الكافرين بنفسه وهو ايضا تصريح بما علم التزاما فان الأمر بالتذكير الذي هو متعلق بالوحى وان كان مقتضاء كمال العقل والصدق فى القول يقتضى ان لا يكون عليه السلام كاهنا ولا مجنونا فهذا النفي بالنسبة الى ظاهر الحال فانه لا يخلو من دفع الوهم وتمكين التصديق ونظيره كلمة الشهادة فان قوله لا اله نفى للوجود المتوهم الذي يتوهمونه والا فلا شيء غير الإثبات فافهم والله المعين
| سيدى كزو هم قدرش برترست | خاك پايش چرخ را تاج سرست |
أنت مع علمه بجهله شاعِرٌ اى هو شاعر وقد سبق معنى الشعر والشاعر في اواخر سورة يس مفصلا قال الامام المرزوقي شارح الحماسة تأخر الشعراء عن البلغاء لتأخر المنظوم عند العرب لان ملوكهم قبل الإسلام وبعده تبجحون بالخطابة ويعدونها أكمل اسباب الرياسة ويعدون الشعر دناءة ولان الشعر كان مكسبة وتجارة وفيه وصف اللئيم عند الطمع بصفة الكريم والكريم عند تأخر صلته بوصف اللئيم ومما يدل على شرف النثر ان الاعجاز وقع في النثر دون النظم لان زمن النبي عليه السلام زمن الفصاحة كذا ذكره صاحب روضة الاخبار فان قلت فاذا كان الاعجاز واقعا في النثر فكيف قالوا في حق القرآن شعر وفي حقه عليه السلام شاعر قلت ظنوا انه عليه السلام كان يرجو الاجر على التبليغ ولذا قال تعالى قل ما اسألكم عليه من اجر فكان عليه السلام عندهم بمنزلة الشاعر حيث
ان الشاعر انما يستجلب بشعره في الأغلب المال وايضا لما كانوا يعدون الشعر دناءة حملوا القرآن عليه ومرادهم عدم الاعتداد به فان قلت كيف كانوا يعدون الشعر دناءة وقد اشتهر افتخارهم بالقصائد حتى كانوا يعلقونها على جدار الكعبة قلت كان ذلك من كمال عنادهم او جريا على مسلك اهل الخطابة من الأوائل فاعرف فان هذا زائد على ما فصل فى سورة يس وقد لاح بالبال في هذا المقام قال ابن الشيخ قوله أم يقولون إلخ من باب الترقي الى قولهم فيه انه شاعر لان الشاعر ادخل في الكذب من الكاهن والمجنون وقد قيل احسن الشعرا كذبه وكانوا يقولون لا نعارضة في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره وانا نصبر ونتربص موته وهلاكه كما هلك من قبله من الشعراء وحينئذ تتفرق أصحابه وان أباه مات شابا ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه وذلك قوله سبحانه وتعالى نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ التربص الانتظار والريب ما يقلق النفوس اى يورث قلقا واضطرابا لها من حوادث الدهر وتقلبات الزمان فهو بمعنى الرائب من قولهم رابه الدهر وأرابه اى أقلقه وقيل سميت ريبا لانها لا تدوم على حال كالريب وهو الشك فانه لا يبقى بل هو متزلزل وفي المفردات ريب الدهر صروفه وانما قيل ريب لما يتوهم فيه من المنكر وفيه ايضا الريب ان تتوهم بالشيء امرا ما فينكشف عما توهمته ولهذا قال تعالى لا ريب فيه والارابة أن تتوهم فيه امرا فلا ينكشف عما تتوهمه وقوله نتربص به ريب المنون سماه ريبا لا من حيث انه مشكك في كونه بل من حيث انه يشكك في وقت حصوله فالانسان ابدا في ريب المنون من جهة وقته لا من جهة كونه وعلى هذا قال الشاعر
| الناس قد علموا أن لا بقاء لهم | لو انهم عملوا مقدار ما علموا |
أصلا وان كان لك خلق حسن فان لك مروءة والا فأنت شر من الكلب أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ مجاوزون الحدود في المكابرة والعناد مع ظهور الحق لا يحومون حول الرشد والسداد ولذلك يقولون ما يقولون من الا كاذيب الخارجة عن دائرة العقول والظنون قال ابن الشيخ ثم قيل لابل ذلك من طغيانهم لانه ادخل في الذم من نقصان العقل وابلغ في التسلية لان من طغى على الله فقد باء بغضبه أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ هو ترق الى ما هو ابلغ في كونه منكرا وهو أن ينسبوا اليه عليه السلام انه يختلق القرآن من تلقاء نفسه ثم يقول انه من عند الله افتراء عليه والتقول تكلف القول ولا يستعمل الا في الكذب والمعنى اختلق القرآن من تلقاء نفسه وليس الأمر كما زعموا بَلْ لا يُؤْمِنُونَ البتة لان الله ختم على قلوبهم وفي الإرشاد فلكفرهم وعنادهم يرمونه بهذه الأباطيل التي لا يخفى على أحد بطلانها كيف لا وما رسول الله الا واحد من العرب أتى بما عجز عنه كافة الأمم من العرب والعجم وفي كون ذلك مبنيا على العناد اشارة الى انهم يعلمون بطلان قولهم وتناقضه فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ اى إذا كان الأمر كما زعموا من انه كاهن او مجنون او شاعر ادعى الرسالة وتقول القرآن من عند نفسه فليأتوا بكلام مثل القرآن في النعوت التي استقل بها من حيث النظم ومن حيث المعنى قال في التكملة المشهور في القرآن بحديث مثله بالتنوين فيكون الضمير راجعا الى القرآن (وروى) عن الجحدري انه قرأ بحديث مثله بالاضافة فيكون الضمير راجعا الى النبي عليه السلام إِنْ كانُوا صادِقِينَ فيما زعموا فان صدقهم في ذلك يستدعى قدرتهم على الإتيان بمثله بقضية مشاركتهم له عليه السلام في البشرية والعربية مع ما بهم من طول الممارسة للخطب والاشعار وكثرة المزاولة لأساليب النظم والنثر والمبالغة في حفظ الوقائع والأيام ولا ريب في ان القدرة على الشيء من موجبات الإتيان به ودواعى الأمر بذلك واعلم ان الاعجاز اما أن يتعلق بالنظم من حيث فصاحته وبلاغته او يتعلق بمعناه ولا يتعلق به من حيث مادته فان مادته ألفاظ العرب وألفاظه ألفاظهم قال تعالى قرءانا عربيا تنبيها على اتحاد العنصر وانه منظم من عين ما ينظمون به كلامهم والقرآن معجز من جميع الوجوه لفظا ومعنى ومتميز من خطبة البلغاء ببلوغه حد الكمال في اثنى عشر وجها إيجاز اللفظ والتشبيه الغريب والاستعارة البديعة وتلاؤم الحروف والكلمات وفواصل الآيات وتجانس الألفاظ وتعريف القصص والأحوال وتضمين الحكم والاسرار والمبالغة في الأسماء والافعال وحسن البيان في المقاصد والأغراض وتمهيد المصالح والأسباب والاخبار عما كان وما يكون أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ من لابتداء الغاية اى أم أحدثوا وقدروا هذا التقدير البديع والشكل العجيب من غير محدث ومقدر وقيل أم خلقوا من أجل لا شيء من عبادة وجزاء فمن للسببية (وقال الكاشفى) آيا آفريده شده اند ايشان بى چيزى يعنى بي پدر ومادر مراد آنست كه ايشان آدمي انداز آدميان زاده شده نه جمادند كه تعقل خود نكند أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ لأنفسهم فلذلك لا يعبدون الله تعالى أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ اى إذا سئلوا من خلقكم وخلق السموات والأرض
صفحة رقم 202روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء