تمهيد :
في هذه الآيات يتابع القرآن حملته على المشركين، ليسفّه آراءهم، ويؤكد وحدانية الخالق، ويتابع التحدّي السابق بأنهم لا يستطيعون أن يؤتوا بمثل هذا القرآن، وهذا دليل على أنه من عند الله، والآيات ( ٣٥-٤٣ ) هي استفهامات متلاحقة تأخذ بتلابيب المشركين وتسألهم : هل خُلقوا من غير خالق ؟ هل خلقوا أنفسهم ؟ وكل ذلك محال، فلم يبق إلا أن يكون الله هو الذي خلقهم.
ثم تقول : هل خلقوا السماوات والأرض ؟ إن هذا الخلق العظيم لا يقدر عليه إلا الله.
هل عندهم خزائن رزق الله ؟ أم هم المسيطرون على أفضاله ونعمائه ؟
وهل عندهم علم الغيب ؟ وهل يملكون دليلا على ذلك ؟ وهل يليق بهم أن يجعلوا الملائكة بنات الله، فيكون لله البنات ولهم البنون ؟
وهل تسألهم يا محمد أجرا على تبليغ الرسالة، فهم في دين عظيم لا يستطيعون سداده ؟
وهل عندهم علم الغيب ؟ حاشا وكلا، فكل ذلك من خصائص الألوهية.
وهل يريدون إيقاع المكر والشر بالمسلمين ؟ لا، لن يستطيعوا، وسيقعون هم في هزيمة بدر وما بعدها، حتى تفتح مكة، ويهزم الشرك وينصر الحق.
وهل لهم إله غير الله ؟ تنزه الله عن الشريك والمثيل.
بهذه الاستفهامات المتلاحقة التي تشبه السياط التي تُلهب ظهور المشركين، يفنّد القرآن آراءهم، ويوضح حقائق القدرة الإلهية التي بيدها الخلق والأمر، تنزه الله عن كل شريك ومثيل.
المفردات :
كيدا : مكرا وشرا.
المكيدون : الذين يحيق بهم الشرّ، ويعود إليهم وباله.
التفسير :
٤٢- أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ .
هل يريدون تدبير أذى للرسول صلى الله عليه وسلم ؟ لا يستطيعون ذلك، فالله يعصمه من الناس، وسيقع جزاء كيدهم وشرّهم بهم.
وهذه الآية من إعجاز القرآن وإخباره بالغيب، فقد نزلت قبل الهجرة، حيث اجتمع الكفار في دار الندوة، يدبِّرون الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فمنهم من يرى حبسه، ومنهم من يرى نفيه خارج مكة، ومنهم من يرى أن يُختار من كل قبيلة شاب، ويعطى كل شاب سيفا صارما بتارا، ويضرب الجميع محمدا ضربة رجل واحد، وبذلك يتفرق دمه في القبائل، فلا يقدر بنو عبد مناف على قتالهم، فيقلبون الدِّية في دمه، ثم استقروا واتفقوا على هذا الرأي، لكن الله تعالى أبطل كيدهم، وحفظ رسوله صلى الله عليه وسلم، وأخرجه من بينهم، وقد أعمى الله أبصارهم عنه، ويسَّر طريق الهجرة لرسوله صلى الله عليه وسلم ثم هزمهم الله في بدر، وظل شأنهم في انحدار، وشأن الرسول صلى الله عليه وسلم في ارتفاع، حتى فتحت مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا.
من حاشية الجمل
أريد أن أنقل لك نبذة وصورة من حاشية الجمل على تفسير الجلالين، لتحيط بأسلوب التأليف للشيخ سليمان بن عمر العجيلي الشافعي بالجمل المتوفى سنة ١٢٠٤ ه، حيث يقول ( ٤/٢٢٠ ) :
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا...
أي : مكرا وتحيلا في هلاكك.
وفي المصباح : كاده كيدا، من باب باع، خدعه ومكر به، والاسم : المكيدة، أ. ه.
والاستفهام إنكاري، على معنى نفي اللياقة والانبغاء، أي : لا ينبغي ولا يليق منهم هذه الإرادة، أي التشاور والاجتماع على كيدك، كما ذكر في قوله تعالى : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ . ( الأنفال : ٣٠ )
وكان هذا المكر في دار الندوة، وهي دار من دور أهل مكة.
والظاهر أنه من الإخبار بالغيب، فإن السورة مكية، وذلك الكيد كان وقوعه ليلة الهجرة.
فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ .
هذا من وقوع الظاهر موقع الضمير، تنبيها على اتصافهم بهذه الصفة القبيحة، والأصل : أم يريدون كيدا فهم المكيدون. أو حكم على جنس هم نوع منه، فيندرجون فيه اندراجا أوليا، لتوغلهم في هذه الصّفة.
ثم أهلك الله الكافرين في غزوة بدر وما بعدها من غزوات. vi
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة