قوله تعالى واصبر لِحُكْمِ . أي إلى أن يقع بهم العذاب الذي حكمت عليهم «فَإنَّكَ بِأَعْيُنِنَا » قراءة العامة بالفك، وأبو السَّمَّال بإدغام النون فيما بعدها(١). وناسب جمع الضمير هنا جمع العين ألا تراه أفرد حَيْثُ أفردها في قوله : وَلِتُصْنَعَ على عيني [ طه : ٣٩ ]. قاله الزمخشري(٢). والمعنى : فَإنك بِمرأًى مِنَّا.
قال ابن عباس : نَرَى ما يُعْمَلُ بك. وقال الزجاج : إنك بحيث نراك ونحفظك فلا يصلون إلى مَكْرُوهِكَ(٣).
قال ابن الخطيب : اللام في قوله «لِحُكْمِ رَبِّكَ » تحتمل وجوهاً :
أحدها : هي بمعنى «إلى » أي اصبر إلى أن يحكم الله.
الثاني : أن الصبر فيه معنى الثبات أي تَثَبَّت لحكم ربك واحْتَمِلْهُ.
الثالث : هي اللام التي للسبب، يقال : لِم خرجت ؟ فتقول : لحكم فلان عليَّ بالخروج، فقال : فَاصْبِرْ واجعل سبب الصبر امتثال الأمر، أي فاصبر لهذا الحكم عليك لا لشيءٍ آخر(٤).
قوله : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ تقدم الكلام على نظيره(٥) وقوله :«حِينَ تَقُومُ » قال سعيد بن جبير وعطاء : أي قل حين تقوم من مجلسك : سُبْحَانك اللهم وبحمدك، فإن كان المجلس خيراً ازددتَ إحساناً وإن كان غير ذلك كان كفارةً له.
وروى أبو هريرة قال : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - :«مَنْ جَلَسَ مَجْلِساً وكَثُر فيه لَغَطُهُ فقال قبل أن يقوم : سُبْحَانَكَ اللَّهُ وَبِحَمْدِك أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلهَ إلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ إلاَّ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا » وقال ابن عباس ( - رضي الله(٦) عنهما - ) : معناه : صَلِّ لله حين تقوم من مقامك. وقال الضحاك والربيع : إذا قمت إلى الصلاة فقل : سبحانَك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك ولا إله غيرك. وقال الكلبي : هو ذكر الله باللسان «حِينَ تَقُومُ » من الفراش إلى أن تدخل في الصلاة، لِمَا رَوَى عاصمُ بنُ حُمَيْدٍ قال :«سألتُ عائشةَ بأيِّ شيءٍ كان يَفْتَتِحُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قيامَ الليل ؟ فقالت : كان إذا قَامَ كَبَّر عَشْراً، وحَمِدَ الله عشراً وهَلَّلَ عَشْراً واسْتَغْفَر عَشْراً وقال : اللهم اغْفِرْ لي واهْدِنِي وارْزُقْنِي وعَافِنِي ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة » وقيل : حين تقوم لأمر ما ولاسيما إذا كنت تَنْتَصِبُ لمُجَاهَدةِ قومك ومُعَادَاتِهِم والدعاء عليهم «فسبح بحمد ربك » وبدل قيامك بالمناداة، وانتصابك للانتقام بقيامك بذكر الله وتسبيحه(٧).
٢ الكشاف المرجع السابق..
٣ معاني القرآن وإعرابه له ٥/٦٨..
٤ بالمعنى من تفسير الإمام ٢٨/٢٧٤ و٢٧٥..
٥ في سورة "ق" من قوله: فاصبر على ما يقولون وسبّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب..
٦ سقط من ب..
٧ وانظر البغوي والخازن في معالم التنزيل ولباب التأويل ٦/٢٥٤..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود