بعد أنْ بيَّن الحق سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم موقف خصومه، وكيف أنهم لا يريدون الحق، بل يريدون الهوى والظن والشهوات، يقول له: يا محمد أرح نفسك من هؤلاء، فلا فائدة منهم.
وقد كان سيدنا رسول الله حريصاً كلّ الحرص على هداية قومه، وكان يُحمِّل نفسه في سبيل دعوتهم إلى الحق فوق ما تحتمل، لذلك خاطبه سبحانه بقوله: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف: ٦] وقال له: إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ.. [الشورى: ٤٨].
وقد بيّنا أن الله تعالى لا يريد منهم قوالب تأتي راغمة، إنما يريد قلوباً تأتي إليه طواعية واختياراً.
لذلك يقول سبحانه لنبيه: فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا.. [النجم: ٢٩] فأعرض: أمر من الفعل عَرَض عارض، وأعرض مُعرض. والهمزة هنا تُسمّى همزة الإزالة. أي: إزالة العرض، تعرفون المعرض الدولي الذي نعرض فيه المنتجات، فصاحب المنتج عارض يعرضه على الناس، ويُبيِّن لهم مزاياه فهو عارض.
وهكذا كان سيدنا رسول الله يعرض الهدى ومنهج الحق على قومه، ويُبيِّن لهم أهدافه ومزاياه، فلم يكْن منهم إلا الصبر والأذى والإعراض عنه والانصراف.
وظل كذلك إلى أنْ أمره ربه بالإعراض عنهم، فقال له: فَأَعْرِضْ.. [النجم: ٢٩] من أعرض، وهو عكس عرض، وهمزة الإزالة تُحوِّل الفعل إلى ضده، فكما انصرفوا عنك فانصرف عنهم، أعرضوا عنك فأعرض عنهم.
وهمزة الإزالة في أعرض مثل أعجم. نقول: أعجم الكتاب. أي: أزال عُجْمته ومنه معجم، وهو الكتاب الذي يُزيل غموض الألفاظ، كذلك أعرض أي: أزال العرض.
فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا.. [النجم: ٢٩] إذن: هم البادئون بالإعراض عن ذكر الله، أي: عن القرآن وعن المنهج لأنه يُقيِّد حريتهم في الشهوات، المنهج تكليف، وهم لا يريدون تكليفاً، يريدون الانطلاق خلف شهواتهم وملذاتهم دون رقيب.
ولو تأمل هؤلاء المعرضون منهم الله لعرفوا أنه في صالحهم، لأنه مثلاً حين ينهاك عن السرقة وأنت فرد ينهى الناس جميعاً أنْ يسرقوا منك، كفَّ يدك وكفّ أيدي الملايين عنك.
إذن: قبل أنْ تنظر إلى مشقة التكاليف انظر إلى عطائها...
وقوله تعالى: وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا [النجم: ٢٩] أي: هي غايتهم، فلا يعملون إلا لها وقد أقروا بذلك فقالوا: مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ.. [الجاثية: ٢٤] فالآخرة ليست في حساباتهم.
لذلك الحق سبحانه وتعالى يُسفه هذا الرأي ويقول: ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ ٱلْعِلْمِ.. [النجم: ٣٠]
تفسير الشعراوي
الشعراوي