ﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ

والثاني: أن ظنهم الذي ظنوا في الدنيا لا يدفع عنهم ما لزمهم من العذاب في الآخرة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا... (٢٩).
هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: على ترك مكافأتهم؛ أي: لا تكافئهم لصنيعهم وأذاهم.
والثاني: يخرج على الإياس له من إيمانهم؛ أي: لا تشتغل بهم؛ فإنهم لا يؤمنون أبدًا؛ فهو في قوم خاص علم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أنهم لا يؤمنون.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا).
يحتمل أنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة، فلم يريدوا بحسناتهم التي عملوا إلا الحياة الدنيا؛ لأنهم كانوا يتصدقون ويصلون الأرحام، لكن لم يريدوا بذلك إلا ما ذكر في الحياة الدنيا.
وجائز أن تكون الإرادة هاهنا كناية عن العمل.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا).
أي: لم يعمل للآخرة رأسا؛ يخبر عنهم أنهم يعملون للدنيا، لا للآخرة، وهو كقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ)، وقوله - عز وجل -: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ...) الآية، ونحو ذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ... (٣٠) بألا يؤمنوا بالآخرة، ولا يعملوا لها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: (ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) أي: ذلك مبلغ رأيهم من العلم: أن الملائكة بنات اللَّه، وأنها تشفع لهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى).
مثل هذا الكلام إنما يخرج على أثر خصومات كانت من أُولَئِكَ الكفرة مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، كأن أُولَئِكَ الكفرة قالوا: نحن على الهدى، وأنتم على الضلال، فقال عند ذلك: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا)، ثم قال: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى)، أي: هو أعلم بمن ضل عن سبيله؛ فيجزيه جزاء ضلاله في الآخرة، (وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى) فيجزيه جزاء الهدى، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: يقول: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، وهو غني عن عبادتكم، وإنَّمَا يأمركم وينهاكم؛ ليجزيكم بأعمالكم، لا لمنافع ترجع إليه.

صفحة رقم 428

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية