ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

قوله :«ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ » قال الزمخشري : هو اعتراض ( أي(١) فأعرض عنه ولا تُعَامِلْهُ(٢) إنَّ رَبَّكَ هُو أَعْلَمُ.
قال أبو حيَّان : كأنه يقول : هو اعتراض ) بين «فَأَعْرِضْ » وبين :«إِنَّ رَبَّكَ » ولا يظهر هذا الذي يقوله من الاعتراض(٣).
قال شهاب الدين : كيف يقول : كأنه يقول : هو اعتراض وما معنى الشبيه وهو قد نصَّ عليه وصرح به فقال : أي فأعرض عنه ولا تعامله(٤) إنَّ رَبَّكَ. وقوله «وَلاَ يَظْهَرْ » ما أدري عدم الظهر مع ظهور أن هذا علة لذاك أي قوله :«إنَّ رَبَّكَ » علة لقوله «فَأَعْرِضْ » والاعتراض بين العلَّة والمعلول ظاهر وإذا كانوا يقولون : هذا معترض فيما يجيء في أثناء قصَّة فكيف بما بين علة ومعلول(٥) ؟

فصل


«ذَلِكَ » إشارة إلى نهاية عِلْمهم وقدر عقولهم إن آثروا الدنيا على الآخرة(٦). وقيل : إشارة إلى الظن أي لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن الملائكةَ بناتُ الله وأنها تشفع لهم، واعتمدوا على ذلك وأعرضُوا عن القرآن. وقيل : إشارة إلى الإعراض أي فأعرضْ عمَّن تولى ؛ وذلك لأن الإعراض غاية ما بلغوه من العلم وعلى هذا يكون المراد من العِلْم المَعْلُوم وتكون الألف واللام للتعريف والعلم المعلوم هو ما في القرآن(٧).
فإن قيل : إنَّ الله تعالى بين أن غايتهم ذلك في العلم ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها والمجنون الذي لا علم له أو الصبي لا يؤمر بما فوق احتماله فكيف يعاقبهم الله ؟
فالجواب : أنه ذكر قبل ذلك أنهم تَوَلَّوْا عن ذكر الله فكان عدم علمهم لعدم قبولهم العلم وإنما قدر الله توليهم ليُضَاف الجَهْلُ إلى ذلك فيتحقق العِقَابُ.
قوله : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ جوز مَكِّيٌّ أن يكون على بابه من التفضيل أي هو أعلم من كل أحدٍ بهذين الوصفين وبغيرهما، وأن يكون(٨) بمعنى عالِمٍ، وتقدم ذلك مراراً.

فصل


المعنى أن الله عالم بالفريقين فيجازيهم. ووجه المناسبة أن الله تعالى لَمَّا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أعرض وكان النبي - عليه الصلاة والسلام - شديد الميل إلى إيمان قومه كأنه هجس في خَاطِرِه أن في ذكراهم منفعة، وربما يؤمن من الكفار قومٌ آخرون من غير قتال، فقال له :«ربك أعلم بمن ضل عن سبيله » أي لا يؤمن بمجرد الدعاء أحد المتخلفين وإنما ينفع فيهم وَقْع السيف والقتال فأعرض عن الجدال، وأقبل على القتال. وعلى هذا فقوله :«بِمَنِ اهْتَدَى » أي علم في الأزل من ضل ومن اهتدى فلا يشتبه عليه الأمر، ولا بأسَ في الإعراض.
فإن قيل : قال في الضلال عن سبيله ولم يقل في الاهتداء إلى سبيله.
فالجواب : أنَّ الضلال عن السبيل هو الضلال وهو كافٍ في الضَّلال، لأن الضّلال لا يكون إلاَّ في السبيل وأما بعد الوصول فلا ضلالَ، أو لأن من ضلَّ عن سبيله لا يصل إلى المقصود سواء سلك سبيلاً أو لم يَسْلُكْهُ وأما من اهتدى إلى سبيل فلا وصول له إن لم يسلكه فقال من اهتدى إلى السبيل وسلوكه.
١ ما بين القوسين سقط من (ب)..
٢ في الكشاف: ولا تقابله..
٣ البحر المحيط ٨/١٦٤..
٤ كذا في (أ) وفي (ب) تقاتله وفي الدر تقابله..
٥ وهو يؤيد تماما ما ذهب إليه جار الله الزمخشري في رأيه هذا، وانظر الدر المصون مخطوط بلدية إسكندرية..
٦ قال بذلك الفراء في المعاني ٣/١٠٠ والقرطبي في الجامع ١٧/١٠٥ وأبو حيان في البحر ٨/١٦٤..
٧ انظر المرجع الأخير السابق..
٨ في المشكل ٢/٣٣١ و٣٣٢: ويجوز أن يكونا بألف التشبيه فهو يقصد أعلم مكررة من قوله: "إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى"..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية