نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠:الربع الأخير من الحزب الثالث والخمسين
في المصحف الكريم
لا نزال نتذكر أن كتاب الله – في نهاية الربع الماضي- أعاد إلى الأذهان قصة نوح وقومه حيث قال تعالى : كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر٩ .
وفي بداية هذا الربع يتوالى الحديث عن نفس القصة، إذ يبين كتاب الله أن نوحا عليه السلام، بعد جهود متواصلة وتضحيات متوالية، وصل إلى مرحلة قطع فيها كل رجاء وأمل في إصلاح حال قومه، أو إنقاذهم من الضلال الذي هم فيه، فلم يجد نوح عليه السلام بدا من أن يعلن أمام ربه عجزه عن إصلاحهم، ويستنجد عليهم بقوة الله القاهر فوق عباده، وذلك قوله تعالى هنا حكاية عن نوح : فدعا نوح ربه أني مغلوب فانتصر١٠ ، وعلم الله الذي أحاط بكل شيء لم يفاجئه يأس نوح من قومه، ولا طلبه النصر عليهم من الله، فقد كان دعاء نوح مجرد سبب، لأن ينال قوم نوح من العذاب الأليم ما هم أهل له، وما أسرع ما وقع انتصار الله لدينه ولنبيه، بتسليط طوفان عارم على قوم نوح، اشتركت فيه السماء والأرض على السواء، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر١١ وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر١٢ . ونجى الله نوحا من عذاب الطوفان على ظهر سفينة كانت تكلؤها عناية الله، وتحميها من كل خطر، كما قال تعالى : وحملناه على ذات ألواح ودسر١٣ ، و " الدسر " مسامير السفينة أو أضلاعها. ثم قال تعالى : تجري بأعيننا ، أي تجري بأمرنا وتحت حفظنا. وقوله تعالى : جزاء لمن كان كفر١٤ ، إما أن يكون المراد به رعاية الله لنوح، وحمله ومن آمن معه في " سفينة النجاة " إكراما له من الله، وإنقاذا له من كفران قومه به وبرسالته، وإما أن يكون المراد به عذاب الطوفان الذي سلطه الله على قوم نوح، جزاء لهم على كفرهم وعنادهم، وسوء معاملتهم لنوح عليه السلام.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري