ﭵﭶﭷﭸﭹ

قوله :( فَفَتَحْنَا ) تقدم الخلاف في فتحنا في الأنعام١. والمراد من الفتح والأبواب والسماء حقائقها وأن للسماء أبواب تُفْتَحُ وتُغْلَقُ.
قال علي - رضي الله عنه - : هي المَجَرَّة وهي شرع السماء ومنها فتحت بماء منهمر. وقيل : هذا على سبيل الاستعارة ؛ فإِن الظاهر أن الماء كان من السحاب فهو كقول القائل في المطر الوابل :«جَرَتْ مَيَازِيبُ السَّمَاء ».
وفي قوله :«فَفَتَحْنَا » بيان بأن الله انْتَصَرَ منهم، وانتقم بماء لا بجُنْدٍ أنزله ومن العجب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين، فأهلكهم الله بمَطْلُوبِهِمْ٢.
قوله :( بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ) في الباء وجهان :
أظهرهما : أنها للتعدية ويكون ذلك على المبالغة في أنه جعل الماء كالآلة المُفْتَتَحِ بها، كما تقول فَتَحْتُ بالمَفَاتِيحِ٣.
والثاني : أنها للحال أي فتحناها ملتبسةً بهذا الماء٤ والمُنْهَمرُ : الغزير النازل بقوة. وأنشد امرؤ القيس :
رَاحَ تَمْرِيهِ الصَّبَا ثُمَّ انْتَحَى *** فِيهِ شُؤْبُوب جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ٥
واستعير ذلك في قولهم : هَمَرَ الرَّجُلُ في كلامه إذا أكثر الكلام وأسرع، وفلانٌ يُهَامِرُ الشيء أي يحرفه، وهَمَّرَ لَهُ من ماله أعطاه بكَثْرَة٦.
والمنهمر الكثير قاله السُّدِّيُّ ( رحمة الله عليه ) ٧ قال الشاعر :
أَعَيْنَيَّ جُودَا بالدُّمُوعِ الهَوَامِرِ *** عَلَى خَيْرِ بَادٍ مِنْ معَدٍّ وَحَاضِرِ٨
قال المفسرون : معنى منهمر أي منصب انْصباباً شديداً. قال ابن عباس : منهمر من غير سحاب لم ينقطع أربعين يوماً. وقيل : ثمان.

١ من الآية ٤٤ من الأنعام فلما نسوا ما ذُكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء فقد قرأ ابن عامر وأبو جعفر والأعرج ويعقوب "فتَّحنا" والجمهور مخففا وعلى كلتا القراءتين فهما متواتران..
٢ الرازي ١٥/٣٧ و٣٨..
٣ فجعل المقصود وهو الماء مقدما في الوجود على فتح الباب المغلق. وهذا رأي أبي حيان في البحر المحيط ٨/١٧٧..
٤ المرجع السابق..
٥ من الرمل ونسب لامرئ القيس ولم أجده بديوانه هكذا، وإنما ما به:
وللسّوط فيها مجال كما *** تنزل ذو برد منهمر
وراح أي عاد في الرّواح كأن المطر كان في أول النهار ثم عاد في آخره. و"تَمْرِيه" تستدره وأصله من مَرْي الضّرع وهو مسحه فيدر، والشُّؤبُوب الدّفعة من المطر. وانظر القرطبي ١٧/١٣٢، والبحر ٨/١٧٢، وفتح القدير ٥/١٢٢، والطبري ٢٧/٥٤، والديوان ١٦٦، ومجمع البيان ٩/٢٨٥..

٦ وانظر اللسان "همر" ٤٦٩٧..
٧ زيادة من (أ). وانظر القرطبي ١٧/١٣١..
٨ من الطويل وهو مجهول قائله والهوامر الكثيرة وهو محل الشاهد. وانظر البحر ٨/١٧٧ والقرطبي ١٧/١٣١ وفتح القدير ٥/١٢٣ وروح المعاني ٢٧/٨١..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية