ﭵﭶﭷﭸﭹ ﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ ﮅﮆﮇﮈﮉ ﮋﮌﮍﮎﮏﮐ ﮒﮓﮔﮕﮖﮗ ﮙﮚﮛﮜ ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ ﮦﮧﮨﮩﮪﮫ ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖ ﯘﯙﯚﯛﯜﯝ

والعين تعرف من عيني محدثها إن كان من حزبها أو من أعاديها
فتظهر الكآبة على وجه الفاسق، والصباحة على وجه الطائع لأول وهلة «كَأَنَّهُمْ» في الكثرة «جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ٧» يموج بعضهم في بعض حيارى لا يعرفون أين يتوجهون وشبههم بالجراد لانه يركب بعضه بعضا عند سيره لكثرته وتفرقه في كل جهة حالة كونهم «مُهْطِعِينَ» مسرعين خائفين لا ينظرون إلا «إِلَى الدَّاعِ» أي لجهة صوته مادّين أعناقهم شاخصين بأبصارهم مهرولين نحوه وإذ ذاك «يَقُولُ الْكافِرُونَ» بعضهم لبعض «هذا يَوْمٌ عَسِرٌ ٨» شديد الصعوبة وفي تخصيص الكافرين بشارة على أن المؤمنين يكون عليهم سهلا يسرا راجع تفسير الآيتين ٢٥- ٢٦ من سورة الفرقان والآية ١٠ من سورة طه الآتيتين، واعلم يا أكمل الرسل أن قومك لم يبتدعوا التكذيب حيث «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا» نوحا عليه السلام وكرره لأنه عاش فيهم مالم يعشه نبي في قومه بالدعوة وعدم الإيمان وكلما كذب أهل قرن تبعه القرن الآخر، إذ كانوا يتواصون أي أن كل جيل يوصي من بعده بعدم اتباعه وتصديقه ويقولون لهم إنه ساحر كذاب قاتلهم الله «وَقالُوا» له مثل ما قال لك قومك «مَجْنُونٌ» ولم يقتصروا على تكذيبه، بل إنهم منعوه عن أداء الرسالة التي كلفه ربه أداءها، بدليل قوله «وَازْدُجِرَ ٩» أي منع وهدد بالقتل عدا السب والشتم الذي فعلوا مثله بك وازدجر مثل مزدجر فعل به ما فعل به، ولما ضاق بالسيد نوح الحال وتأكد عدم ايمانهم زهد فيهم ورفع يديه «فَدَعا رَبَّهُ» وقال في دعائه يا رب «أَنِّي مَغْلُوبٌ»
على أمري الذي أمرتني به من جهة قومي ولا قدرة لي عليهم «فَانْتَصِرْ ١٠» لي بنصرك الذي وعدتنيه وانتقم لي منهم وذلك بعد إياسه من قبول دعوته وايحاء الله له بعدم إيمانهم، راجع الآية ٣٦ من سورة هود ج ٢، فأجاب دعاءه قال تعالى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا) الآية ١١٠ من سورة يوسف في ج ٢،
ثم بين كيفية نصره له بقوله «فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ١١» متدفق بشدة انصبابه وعظمة نبعه

صفحة رقم 284

وكثرة هطوله المنبئ عنه قوله تعالى «وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً» شققناها عن عيون جارية «فَالْتَقَى الْماءُ» النازل من السماء مع النابع من الأرض «عَلى أَمْرٍ» حال ووقت «قَدْ قُدِرَ ١٢» زمانا ومكانا، حسبما هو مقدر في علم الله وقوعه عليهم بهذه الصورة المقدرة على عدم ايمانهم بأن يخالفوا رسولهم ويموتوا غرقا، فقضى عليهم قضاء مبرما لا مرد له فأهلكوا جميعا غيره ومن آمن به لقوله جل قوله «وَحَمَلْناهُ» أي نوحا وأهله المؤمنين ومن آمن به لأنهم تبع له «عَلى ذاتِ أَلْواحٍ» من الخشب «وَدُسُرٍ ١٣» مسامير «تَجْرِي» بهم تلك السفينة التي أمرنا بصنعها الموصوفة بصفة تقوم مقامها ونعت ينوب منابها، وهو جائز إذا لم يفصل بينها وبين صفتها فاصل كما هنا، وهو ومن فصيح الكلام وبديعه كما تقول حيّ مستقيم القامة عريض الأظفار كناية عن الإنسان، ومنه قوله:

مفرشي صهوة الحصان ولكنّ قميصي مسرودة من حديد
أي أنه درع، وقد يكون من باب حذف الموصوف لدلالة الصفة عليه حسب القواعد النحوية أي سفينة ذات ألواح ودسر، وهو جائز فيما هو معلوم كهذه وجريانها ذلك «بِأَعْيُنِنا» ومرأى منا بحفظنا ورعايتنا، وكان هلاكهم بهذه الكيفية «جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ ١٤» به وهو نوح عليه السلام لأنه كان نعمة لهم فكفروا به، وهكذا كل نبي فإنه يرسل نعمة لقومه لينقذهم من الهلاك، قال تعالى:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً) الآية ٢٨ من سورة إبراهيم في ج ٢، قال تعالى «وَلَقَدْ تَرَكْناها» أي تلك السفينة وأبقيناها «آيَةً» دالة على قدرتنا ليعتبر بها من رآها ومن يأت بعدهم «فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ١٥» متعظ بها فيعتبر وعود الضمير هنا للسفينة على ما جرينا عليه لسبق ذكرها أولى من عوده إلى الواقعة أي الحادثة نفسها، وهي الفعلة التي فعلها الله بهم وأبقى ذكرها مستمرا تتناقله الأجيال وتذكره الكتب القديمة والحديثة بأن أبقاها بأرض الجزيرة حتى رآها أوائل هذه الأمة، وحتى الآن يشار إلى موضعها فيها. وأصل مدكر مذدكر، أبدلت الدال والتاء دالين وأدغمتا في بعضها، وهكذا كل كلمة من باب افتعل يفعل بها

صفحة رقم 285

هكذا، قال تعالى «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ١٦» بحق المنكرين المكذبين وهذا الاستفهام تعظيم وتعجب أي أنهما كانا على كيفية هائلة لا يحيط بها الوصف وستأتي القصة مفصلة في الآية ٢٥ من سورة هود في ج ٢، «وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ» سهلناه لقومك يا محمد بأن جعلناه بلغتهم وشحناه بأنواع المواعظ والعبر والأمثال، وكررنا فيه الوعد والوعيد والقصص والأخبار «لِلذِّكْرِ» التذكر به «فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ١٧» متعظ يعتبر به، وهذه جملة قسم كررها الله في آخر هذه القصة والقصص الثلاث الآتية تقريرا لمضمونها وتنبيها على أن كل منها مستقلة بإيجاب الادكار كافية في الازدجار، وفيها حث على تعليم القرآن ولزوم العمل به لأن الله يسره للكبير والصغير والعربي والعجمي، ولما انتهى من ذكر قصة نوح مع قومه ذكر قصة أخرى فقال «كَذَّبَتْ عادٌ» نبيهم هودا عليه السلام «فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ١٨» في هؤلاء المكذبين الآخرين وكيفية عذابهم الفظيع بعد أن وعظناهم ونصحناهم بواسطة رسلنا ولم يؤمنوا «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً» شديدة الهبوب باردة ذات حول هائل «فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ١٩» دائم الشؤم وهو مطلق الزمن لقوله تعالى في الآية ١٦ من سورة فصلت «فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ» وقال جل شأنه في الآية ٧ من سورة الحاقة من ج ٢٩. (سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً)
مطلب في أربعاء صفر وعيادة المريض.
قيل كان وقوع هذا الريح يوم الأربعاء من آخر شهر صفر قال ابن عباس آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر وأخذ به كثير من الناس وتطيروا منه حتى أنهم تركوا السعي فيه ونسبو لعلي كرم الله وجهه أنه قال:
وآخر أربعا في الشهر ترك.........
ولكن ابن عباس وسيدنا علي على فرض صحة ما نسب إليهما لم يعيناه في صفر ولكن الناس خصوه فيه، وحتى الآن تراهم يتركون أعمالهم ويخرجون إلى النزهات ويعملون فيه أعمالا واهية كتكسير الجرار والسبح في الماء وغيرها من الترهات

صفحة رقم 286

مع أنه لم يثبت فيها شيء صحيح يركن اليه، وجزم ابن الجوزي بوضع ما روي عن ابن عباس، وقال ابن رجب لا يصح ورفعه غير متفق عليه. وقال السخاوي طرقه كلها واهية وما جاء في الفردوس عن عائشة رضي الله عنها وعن أبيها لولا أن تكره أمتي لأمرتها أن لا يسافروا يوم الأربعاء إلخ غير معلوم الصحة. وما أخرجه ابن يعلى عن ابن عباس يوم السبت يوم مكر وخديعة، ويوم الأحد يوم غرس وبناء، ويوم الاثنين يوم سفر وطلب رزق، ويوم الثلاثاء يوم حديد وبأس، ويوم الأربعاء لا أخذ ولا عطاء، ويوم الخميس يوم طلب الحوائج والدخول على السلطان، ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح قد ضعفه السخاوي، وضعفوا أيضا خبر الطبراني وهو يوم الأربعاء يوم نحس مستمر، إذ جاء في الأخبار ما يشعر بمدحه فقد جاء في منهاج الحليمي وشعب البيهقي أن الدعاء يستجاب يوم الأربعاء وذكر برهان الإسلام في شرح تعليم المتعلم نقلا عن صاحب الهداية (ما بدأ شيء يوم الأربعاء إلا وتم)، ولذلك فإن بعض المشايخ يبدأون تدريس طلبتهم فيه وروى عن جابر مرفوعا في غرس الأشجار يوم الأربعاء، وقال سبحان الباعث الوارث آتته أكلها، وهناك أخبار أخر منها ما رواه ابن ماجه، وخرجه الحاكم عن ابن عمرو مرفوعا أيضا لا يبدو جذام ولا برص إلا يوم الأربعاء ومنها ما يفيد النهي عن قص الأظفار فيه وانه يورث البرص وكرّه بعضهم عيادة المريض فيه وفيه يقال:

لم يؤت في الأربعاء مريض إلا دفناه في الخميس
ولهذا فإن أهالي دمشق يتورعون عن عيادة المريض فيه وقد يغضب أهل المريض إذا وقع هذا ممن لا يعرفه ويولولون عند دخوله، لهذا ينبغي التحاشي عن عيادة المريض يوم الأربعاء لمن يعتقد ذلك لما فيه من إلقاء الرعب على أهل المريض والمريض أيضا لأن العائد لم يقصد بعيادته إلا الأجر وسرور المريض واهله، فإذا علم أن ذلك على العكس كان عليه التباعد عنه، حكي أن رجلا قال لأخيه أخرج في حاجة فقال إنه في يوم الأربعاء، فقال له: ولد فيه يونس عليه السلام، قال قد بانت بركته في اتساع موضعه وحسن كسوته حتى خلصه الله. فقال

صفحة رقم 287

فيه ولد يوسف عليه السلام، قال ما أحسن ما فعل به إخوته حتى طال حبسه وغربته، فقال فيه نصر المصطفى، قال بعد أن زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر هذا وقد نسب الحافظ الوميطي لعلي كرم الله وجهه هذه الأبيات:

فنعم اليوم يوم السبت حقا لعيد إن أردت بلا امتراء
وفي الأحد البناء لأن فيه تبدى الله في خلق السماء
وفي الإثنين إن سافرت فيه سترجع بالنجاح وبالثراء
ومن يرد الحجامة فالثلاثا ففي ساعاته هرق الدماء
وإن شرب امرؤ يوما دواء فنعم اليوم يوم الأربعاء
وفي يوم الخميس قضاء حاج فإن الله يأذن بالقضاء
وهذا العلم لا يرويه إلا نبيّ أو وصيّ الأنبياء
قال الآلوسي لا أظنها تصح عنه، وإن الأيام كلها لا تنفع ولا تضر بذاتها ومن تطيّر بها حاقت به نحوستها، ومن أيقن بأنه لا يضر ولا ينفع إلا الله لم يؤثر فيه شيء، وعلى فرض صحة بعض الأخبار من حضرة الرسول من نحوسة آخر أربعا في الشهر من باب النظير ضرورة أنه ليس من الدين بل من فعل الجاهلية، ولا يبني على قول المخمنين أنه يوم عطارد وهو نحس مع النحوس سعد مع السعود فإنه قول باطل أيضا، ويجوز أن يكون من باب التخويف والتحذير عن مثل ذلك اليوم الذي نزل فيه العذاب ووقع فيه الهلاك أي احذروه وجددوا التوبة فيه خشية أن يلحقكم بؤس كما وقع فيمن قبلكم، وهذا كما قال صلّى الله عليه وسلم حينما أتى الحجر: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين. وهكذا ينبغي أن لا يقف أحد في كل موضع وقع فيه عذاب الله على بعض خلقه ويتحاشى المرور فيه إلا لقصد الاعتبار وجاءت آثار في غير الأربعاء لم تصح أيضا، منها نعوذ بالله من يوم الأحد فإن له حدا أحد من السيف، ولو فرض صحته فهو في يوم مخصوص علم بالوحي ما يحدث فيه. ومنها ما جاء في الفردوس من حديث ابن مسعود: خلق الله الأمراض يوم الثلاثاء، وفيه أنزل إبليس إلى الأرض، وفيه

صفحة رقم 288

بيان المعاني

عرض الكتاب
المؤلف

عبد القادر بن ملّا حويش السيد محمود آل غازي العاني

الناشر مطبعة الترقي - دمشق
الطبعة الأولى، 1382 ه - 1965 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية