من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم ( ١١ ) .
يقرض يصنع صنيعا نافعا، ويبذل طيبا يبتغي رضوانا ومثوبة، والعرب تقول لكل من فعل فعلا حسنا : قد أقرض ؛ مما قال لبيد :
وإذا جوزيت قرضا فاجزه١.
وسمى قرضا لأن القرض أخرج لاسترداد البدل.
تفضل من المولى أن يقترض منا وهو الغني الوهاب ؛ أنعم هو مسبغها، وأموال هو رازقها، ثم ينادينا لنضعها حيث يرضى وتحسن لنا بها العقبى في الأولى والأخرى ! نبذل مما أوتينا ؛ فيما ينفعنا وغيرنا، فيشكر الله سعينا، ويخلف لنا خير من عطائنا : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء.. ٢ وفي الآخرة يجزى ببره جزاء لا ينقطع ولا يبيد ... وما كان عطاء ربك محظورا ٣ فأين من هذا كل نعيم الدنيا الزائل ؟ !
[... فالكلام إما على التجوز في الفعل فيكون استعارة تبعية تصريحية، أو التجوز في مجموع الجملة فيكون استعارة تمثيلية وهو الأبلغ ؛ أي : من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله تعالى مخلصا متحريا أكرمه وأفضل الجهات رجاء أن يعوضه سبحانه بدله، كمن يقرضه فيضاعفه له فيعطيه أجره على إنفاقه مضاعفا أضعافا كثيرة من فضله.. ونصب [ يضاعفه ] على جواب الاستفهام بحسب المعنى.. وإنما أورد على هذا الأسلوب للمبالغة في الطلب حتى كأن الفعل لكثرة دواعيه قد وقع، وإنما يسأل عن فاعله ليجازى.. ]٤.
ونقل عن بعض العلماء أن القرض الحسن ما يجمع صفات منها : أن يكون من الحلال، وأن يكون من أكرم ما يملك المنفق، وأن يكون والمرء صحيح شحيح يأمل العيش ويخشى الفقر، وأن يضعه في الأحوج الأولى، وأن يكتم ذلك، وأن لا يتبعه المن والأذى، وأن يقصد به وجه الله تعالى.
[ القشيري : والقرض الحسن أن يكون المتصدق صادق النية، طيب النفس، يبتغي به وجه الله دون الرياء والسمعة، وأن يكون من الحلال ؛ ومن القرض الحسن ألا يقصد إلى الرديء فيخرجه، لقوله تعالى : ... ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ٥ وأن يتصدق في حال يأمل الحياة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الصدقة فقال : " أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ولا تمهل حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا ولفلان كذا "، وأن يخفي صدقته ؛ لقوله تعالى : وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم.. ٦ وألا يمن ؛ لقوله تعالى : .. لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ٧.. وأن يكون من أحب أمواله ؛ لقوله تعالى : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون... ) ٨ ٩.
فاستجيبوا لربكم وابتغوا بالبر والقربات والمكرمات تجارة لن تبور، وتأسوا بخاتم النبيين عليه الصلوات والتسليم فقد كان ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر، وكونوا كالذين سبقوا بالإيمان والإحسان وسارعوا إلى طلب المغفرة والرضوان١٠.
٢ - سورة البقرة. من الآية ٢٦١..
٣ - سورة الإسراء. من الآية ٢٠..
٤ - مما أورد صاحب روح المعاني..
٥ - سورة البقرة. من الآية ٢٦٧..
٦ - سورة البقرة. من الآية ٢٧١..
٧ - سورة البقرة. من الآية ٢٦٤..
٨ - سورة آل عمران:. من الآية ٩٢..
٩ - ما بين العارضتين [ ] مما أورد صاحب الجامع لأحكام القرآن..
١٠ - أخرج ابن حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له..) قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله ! وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: "نعم يا أبا الدحداح. قال: أرني يدك يا رسول الله" قال فناوله يده قال: فإني أقرضت ربي حائطي، وله حائط فيه ستمائه نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح! قالت: لبيك. قال: أخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل، وفي رواية أنها قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح، ونقلت منه عيالها وصبيانها، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح" [العذق]: القنو من النخل، أو العنقود من العنب؛ [رداح]: ضخم مخصب..
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب