كل واحدة من الطائفتين الذين أنفقوا وقاتلوا قبل الفتح وبعده وعدهم الله الجنة.
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً «١» ذكر في [البقرة: ٢٤٥] يَوْمَ تَرَى العامل في الظرف أجر كريم أو تقدير اذكر يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ قيل: إن هذا النور استعارة يراد به الهدى والرضوان، والصحيح هو قول الجمهور أنه حقيقة، وقد روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعنى على هذا أن المؤمنين يكون لهم يوم القيامة نور يضيء قدّامهم وعن يمين كل واحد منهم. وقيل: يكون أصله في إيمانهم يحملونه فينبسط نوره قدامهم، وروي أن نور كل أحد على قدر إيمانه، فمنهم من يكون نوره كالنخلة، ومنهم من يضيء ما قرب من قدميه، ومنهم من يضيء مرة ويهمّ بالإطفاء مرة، قال ابن عطية: ومن هذه الآية أخذ الناس مشي المعتق بالشمعة قدّام معتقه إذا مات بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ أي يقال لهم ذلك.
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ يوم بدل من يوم ترى أو متعلق بالفوز العظيم، أو بمحذوف: تقديره اذكر ومعنى الآية: أن كل مؤمن مظهر للإيمان يعطى يوم القيامة نورا فيبقى نور المؤمنين وينطفئ نور المنافقين، فيقول المنافقون للمؤمنين، انظرونا نقتبس من نوركم أي نأخذ منه ونستضيء به. ومعنى انظرونا:
انتظرونا. وذلك لأن المؤمنين يسرعون إلى الجنة كالبرق الخاطف، والمنافقون ليسوا كذلك. ويحتمل أن يكون من النظر أي انظروا إلينا، لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم فاستضاءوا بنورهم. ولكن يضعف هذا لأن نظر إذا كان بمعنى النظر بالعين يتعدى بإلى، وقرئ أنظرونا «٢» بهمزة قطع ومعناه أخرونا أي أمهلونا في مشيكم حتى نلحقكم قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً يحتمل أن يكون هذا من قول المؤمنين، أو قول الملائكة ومعناه الطرد للمنافقين، والتهكم بهم لأنهم قد علموا أن ليس وراءهم نور، ووراءكم ظرف العامل فيه ارجعوا وقيل: إنه لا موضع له من الإعراب، وأنه كما لو قال:
ارجعوا ومعنى هذا الرجوع، ارجعوا إلى الموقف فالتمسوا فيه النور، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا النور بتحصيل الإيمان أو ارجعوا خائبين، وتنحوا عنا فالتمسوا نورا آخر، فلا سبيل لكم إلى هذا النور فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ أي ضرب بين المؤمنين والمنافقين بسور يفصل بينهم، وفي ذلك السور باب لأهل الجنة يدخلون منه وقيل: إن هذا السور هو الأعراف وهو سور بين الجنة والنار. وقيل: هو الجدار الشرقي من بيت المقدس وهذا بعيد
(٢). قرأ حمزة: أنظرونا بهمزة القطع أي: أمهلونا. وقال الفراء هي أيضا بمعنى: انتظرونا.
باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ باطنه هو جهة المؤمنين، وظاهره هو جهة المنافقين وهي خارجه. كقوله ظاهر المدينة أي خارجها. والضمير في باطنه وظاهره يحتمل أن يكون للسور أو للباب والأول أظهر يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ أي ينادي المنافقون المؤمنين فيقولون لهم: ألم نكن معكم في الدنيا؟ يريدون إظهارهم الإيمان فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ أي أهلكتموها وأضللتموها بالنفاق وَتَرَبَّصْتُمْ أي أبطأتم بإيمانكم وقيل:
تربصتم الدوائر بالنبي ﷺ وبالمسلمين وَارْتَبْتُمْ أي شككتم في الإيمان وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ أي طول الأمل والتمني، ومن ذلك أنهم كانوا يتمنون أن يهلك النبي ﷺ والمؤمنين، أو يهزمون إلى غير ذلك من الأماني الكاذبة حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ أي الفتح وظهور الإسلام، أو موت المنافقين على الحال الموجبة للعذاب الْغَرُورُ هو الشيطان هِيَ مَوْلاكُمْ أي هي أولى بكم، وحقيقة المولى الولي الناصر، فكان هذا استعارة منه، أي لا وليّ لكم تأوون إليه إلا النار.
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ «١» معنى ألم يأن: ألم يحن. يقال:
أنى الأمر إذا حان وقته، وذكر الله يحتمل أن يريد به القرآن أو الذكر، أو التذكير بالمواعظ وهذه آية موعظة وتذكير قال ابن عباس: عوتب المؤمنون بهذه الآية بعد ثلاثة عشر سنة من نزول القرآن، وسمع الفضيل بن عياض قارئا يقرأ هذه الآية فقال: قد آن فكان سبب رجوعه إلى الله. وحكي أن عبد الله بن المبارك أخذ العود في صباه ليضربه فنطق بهذه الآية فكسره ابن المبارك، وتاب إلى الله وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ عطف ولا يكونوا على أن تخشع ويحتمل أن يكون نهيا، والمراد التحذير من أن يكون المؤمنون كأهل الكتب المتقدمة وهم اليهود والنصارى فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ أي مدة الحياة وقيل: انتظار القيامة، وقيل: انتظار الفتح والأول أظهر اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها أي يحييها بإنزال المطر وإخراج النبات، وقيل: إنه تمثيل للقلوب أي: يحيى الله القلوب بالمواعظ كما يحيى الأرض بالمطر، وفي هذا تأنيس للمؤمنين الذين ندبوا إلى أن تخشع قلوبهم، والأول أظهر وأرجح لأنه الحقيقة.
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ بتشديد الصاد من الصدقة وأصله المتصدقين، وكذلك
التسهيل لعلوم التنزيل
أبو القاسم، محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله، ابن جزي الكلبي الغرناطي
عبد الله الخالدي