إِنَّ المصدّقين والمصدّقات قرأ الجمهور بتشديد الصاد في الموضعين من الصدقة، وأصله المتصدّقين والمتصدّقات، فأدغمت التاء في الصاد. وقرأ أبيّ «المتصدّقين والمتصدّقات » بإثبات التاء على الأصل. وقرأ ابن كثير بتخفيف الصاد فيهما من التصديق : أي صدّقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به وَأَقْرَضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً معطوف على اسم الفاعل في المصدّقين لأنه لما وقع صلة للألف واللام الموصولة حلّ محلّ الفعل، فكأنه قال : إن الذين تصدّقوا وأقرضوا كذا قال أبو علي الفارسي وغيره. وقيل : جملة : وأقرضوا معترضة بين اسم إن وخبرها، وهو يضاعف وقيل : هي صلة لموصول محذوف : أي والذين أقرضوا، والقرض الحسن عبارة عن التصدق والإنفاق في سبيل الله مع خلوص نية وصحة قصد واحتساب أجر. قرأ الجمهور : يُضَاعَفُ لَهُمْ بفتح العين على البناء للمفعول، والقائم مقام الفاعل إما الجار والمجرور أو ضمير يرجع إلى المصدّقين على حذف مضاف : أي ثوابهم، وقرأ الأعمش :«يضاعفه » بكسر العين وزيادة الهاء. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب :«يُضَعَّفُ » بتشديد العين وفتحها وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ وهو الجنة، والمضاعفة هنا أن الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن مردويه عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن، فأنزل الله أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا الآية». وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفر من أصحابه في المسجد وهم يضحكون، فسحب رداءه محمراً وجهه فقال :«أتضحكون ولم يأتكم أمان من ربكم بأنه قد غفر لكم، ولقد أنزل عليّ في ضحككم آية : أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله ، قالوا : يا رسول الله، فما كفارة ذلك ؟ قال : تبكون بقدر ما ضحكتم». وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجه وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال : ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا إلاّ أربع سنين. وأخرج نحوه عنه ابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه من طريق أخرى. وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عنه أيضاً قال : لما نزلت هذه الآية أقبل بعضنا على بعض : أيّ شيء أحدثنا أيّ شيء صنعنا ؟ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن : أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا الآية. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد العزيز بن أبي روّاد أن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ظهر فيهم المزاح والضحك، فنزلت هذه الآية أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا . وأخرج ابن المبارك عن ابن عباس اعلموا أَنَّ الله يُحْيِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا قال : يعني : أنه يلين القلوب بعد قسوتها. وأخرج ابن جرير عن البراء بن عازب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«مؤمنو أمتي شهداء»، ثم تلا النبيّ صلى الله عليه وسلم والذين ءامَنُوا بالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصّدّيقون والشهداء عِندَ رَبّهِمْ . وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال : كل مؤمن صديق وشهيد. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : إن الرجل ليموت على فراشه وهو شهيد، ثم تلا هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس والذين ءامَنُوا بالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصّدّيقون قال : هذه مفصولة والشهداء عِندَ رَبّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ . وأخرج ابن حبان عن عمرو بن مرة الجهني قال : جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال :«يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلاّ الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس وأدّيت الزكاة وصمت رمضان وقمته، فممن أنا ؟ قال : من الصدّيقين والشهداء».