ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

لّكَيْلاَ تَاسَوْا على مَا فَاتَكُمْ أي اختبرناكم بذلك لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا ءاتاكم منها : أي أعطاكم منها، فإن ذلك يزول عن قريب، وكلّ زائل عن قريب لا يستحق أن يفرح بحصوله ولا يحزن على فواته، ومع أن الكل بقضاء الله وقدره، فلن يعدو امرأ ما كتب له، وما كان حصوله كائناً لا محالة فليس بمستحقّ للفرح بحصوله ولا للحزن على فوته، قيل : والحزن والفرح المنهيّ عنهما هما اللذان يتعدّى فيهما إلى ما لا يجوز، وإلاّ فليس من أحد إلاّ وهو يحزن ويفرح. قرأ الجمهور : بما آتاكم بالمدّ : أي أعطاكم، وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم وأبو عمرو بالقصر : أي جاءكم، واختار القراءة الأولى أبو حاتم، واختار القراءة الثانية أبو عبيد والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ أي لا يحبّ من اتصف بهاتين الصفتين وهما الاختيال والافتخار، قيل : هو ذمّ للفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر، وقيل : إن من فرح بالحظوظ الدنيوية وعظمت في نفسه اختال وافتخر بها، وقيل : المختال الذي ينظر إلى نفسه، والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الاستحقار. والأولى تفسير هاتين الصفتين بمعناهما الشرعي ثم اللغوي، فمن حصلتا فيه فهو الذي لا يحبه الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ يقول : في الدين والدنيا إِلاَّ فِي كتاب مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا قال : نخلقها لّكَيْلاَ تَاسَوْا على مَا فَاتَكُمْ من الدنيا وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا ءاتاكم منها.
وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : هو شيء قد فرغ منه من قبل أن تبرأ الأنفس. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عنه أيضاً في قوله : لّكَيْلاَ تَاسَوْا على مَا فَاتَكُمْ الآية، قال : ليس أحد إلاّ وهو يحزن ويفرح، ولكن من أصابته مصيبة جعلها صبراً، ومن أصابه خير جعله شكراً. وأخرج ابن المنذر عنه في الآية قال : يريد مصائب المعاش، ولا يريد مصائب الدين، إنه قال : لّكَيْلاَ تَاسَوْا على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا ءاتاكم وليس هذا من مصائب الدين، أمرهم أن يأسوا على السيئة ويفرحوا بالحسنة.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية