ثم قفينا على آثارهم } أي آثارهم نوح وإبراهيم من أرسل إليهم ولا يجوز إرجاع الضمير إلى الذرية لأن الرسلة المقفى بهم كانوا من ذريتهما برسلنا وقفينا الرسل أجمعين قبل محمد صلى الله عليه وسلم بعيسى ابن مريم وكان آخر أنبياء بني إسرائيل وكان بعده فترة الرسل حتى بعث الله خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة مودة ولينا ورحمة تعطفا على إخوانهم وعلى المؤمنين كما قال الله تعالى : ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارا ١ وكما قال في صفة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رحماء بينهم ورهبانية وهي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس وترك الشهوات حتى المباحة منها كالأكل بالنهار والنوم بالليل والنكاح وغيرها منسوبة إلى الرهبان فعلان من الرهب بمعنى خاف كخشيان من خشي معطوف على رأفة جعلنا في قلوبهم الميل إلى رهبانية ابتدعوها من قبل أنفسهم صفة لرهبانية وابتداعهم إياها لا ينافي جعل الله تعالى ميلها في قلوبهم وجز أن يكون رهبانية منصوبا بالفعل يفسره قوله تعالى ابتدعوها والجملة معطوفة على جعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة وابتدعوها من قبل أنفسهم رهبانية ما كتبناها أي ما كتبنا شيئا من خصائل الرهبانية عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فالاستثناء حينئذ متصل وقيل الاستثناخ منقطع لعدم دخول ابتغاء مرضات الله في الرهبانية والمعنى ولكن كتبنا عليهم ابتغاء مرضات الله فما رعوها أي الرهبانية النفي لسلب العمر إلا لعموم السلب والمعنى فما رعوها جميعهم حق رعايتها بل ضعيفها بعضهم بترك ما التزموا على أنفسهم من المبالغة في الرياضة أو لفصل الرياء والسمعة والميل إلى الدنيا أو بكفرهم وقولهم ثالث ثلاثة أو قولهم بالاتخاذ أو بتهودهم وكفرهم بعيسى ومحمدا أو بكفرهم بحمد صلى الله عليه وسلم بعدما استقاموا على دين عيسى قبل مبعثه فهؤلاء كلهم ما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا إيمانا صحيحا وحافظ حقوقها حتى آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم على ما وصى به عيسى عليه السلام منهم أي ممن ادعى باتباع عيسى عليه السلام أجرهم أي الأجر الموعود لهم على حسب أعمالهم فمن رعى حق رعاية الترهيب كما التزم أتاه أجر عمله ومن استقام على الدين الإيمان ولكن لم يراع الرهبانية حقها أتاه أجر عمله { وكثير منهم فاسقون خارجون عن اتباع عيسى وهم الذين قالوا بالتثليث وللاتخاذ والتهود أو دخلوا في دين الملوك وأثبتوا على دين عيسى لكنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، روى البغوي بسنده عن ابن مسعود قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن مسعود اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة نجا منهم ثلاثة وهلك سائرهن فرقة وزارت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى فأخذوهم وقتلوهم وفرقة لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم إلى دين الله ودين عيسى فساحوا في البلاد وترهبوا وهم الذين قال الله تعالى : ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون ) وقال البغوي روي عن ابن مسعود قال كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار فقال يا ابن أم عبد هل تدري من أين اتخذت بنو إسرائيل الرهبانية قلت الله ورسوله أعلم ؟ قال :( ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بالمعاصي فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق منهم إلا قليل فقالوا إن ظهرنا هؤلاء أفتونا ولم يبق للدين أحد يدعوا إليه فقالوا تعالوا فتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا عيسى يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم فتفرقوا في غير أن الجبال وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر ثم تلا هذه الآية ورهبانية ابتدعوها الآية فآتينا الذين آمنوا منهم يعني ثبتوا عليها أجرهم ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي ؟ قلت الله ورسوله أعلم ( قال الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة والتكبير على التلال ).
قال وروي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إن لكل أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله )٢ وروى سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال كانت الملوك بعد عيسى عليه السلام بدلوا التوراة والإنجيل وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله فقيل لملوكهم لو جمعتم هؤلاء الذين شقوا عليكم فقتلتموهم أو دخلوا فيما نحن فيه فجمعهم ملكهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها، فقالوا نحن نكفيكم أنفسا، فقالت طائفة ابنوا لنا أسطوانة ثم ارفعونا إليها ثم أعطونا شيئا ترفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم وقالت طائفة دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما تشرب الوحش فإن قدرتم علينا بأرض فاقتلونا.
وقالت طائفة ابنوا لنا دورا في الفيافي نحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نرد عليكم ولا نمر بكم ففعلوا ذلك فمضى أولئك على منهاج عيسى وخلف قوم من بعدهم ممن قد غير الكتاب فجعل الرجل يقول نكون نحن في مكان فلان فنتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورا كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم فذلك قوله عز وجل : ورهبانية ابتدعوها أي ابتدعها هؤلاء الصالحون فما رعوها حق رعايتها يعني الآخرين الذين جاؤوا من بعدهم فاتينا الذين آمنوا منهم أجرهم يعني الذين ابتدعوها مرضات الله وكثير منهم فاسقون هم الذين جاؤوا من بعدهم قال فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم لم يبق منهم إلا قليل حط رجل من صومعته وجاء سياح من سياحته وصاحب الدير من ديره وآمنوا به.
٢ رواه أحمد وأبو يعلى وفيه زيد العمي وثقة أحمد وضعفه أبو زرعة رجاله رجال الصحيح انظر مجمع الزوائد في كتاب: الجهاد باب: فضل الجهاد:٩٤٣١.
التفسير المظهري
المظهري