تفسير المفردات : قفاه : اتبعه بعد أن مضى، والإنجيل : الكتاب الذي أنزل على عيسى وفيه شريعته، والمراد من الرأفة : دفع الشر، ومن الرحمة : جلب الخير، وبذا يكون بينهم مودة، والرهبانية : ترهبهم في الجبال فارين بدينهم من الفتنة، مخلصين أنفسهم للعبادة، محتملين المشاق من الخلوة واللباس الخشن والاعتزال عن النساء والتعبد في الغيران والكهوف، وقوله : ابتدعوها : استحدثوها ولم تكن في دينهم، ابتغاء رضوان الله : أي طلبا لرضاه ومحبته، فما رعوها : أي ما حافظوا عليها.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر أنه أرسل الرسل بالبينات والمعجزات، وأنه أنزل الميزان والحديد، وأمر الخلق بأن يقوموا بنصرة رسله أتبع ذلك ببيان ما أنعم به على أنبيائه من النعم الجسام، فذكر أنه شرف نوحا وإبراهيم عليهما السلام بالرسالة، ثم جعل في ذريتهما النبوة والكتاب، فما جاء أحد بعدهما بالنبوة إلا كان من سلائلهما.
الإيضاح : ثم قفينا على آثارهم برسلنا أي ثم بعثنا بعدهم رسولا بعد رسول على توالي العصور والأيام.
ثم خص من أولئك الرسل عيسى لشهرة شريعته في عصر التنزيل ولوجود أتباعه في جزيرة العرب وغيرها فقال :
وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل أي ثم أرسلنا رسولا بعد رسول حتى انتهى الأمر إلى عيسى عليه السلام، وأعطيناه الإنجيل الذي أوحيناه إليه، وفيه شريعته ووصاياه، وقد جاء ما فيه مكملا لما في التوراة ومخففا بعض أحكامها التي شرعت تغليظا على بني إسرائيل، لنقضهم العهد والميثاق كما جاء في قوله : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ( النساء : ١٦٠ ).
ثم بين صفات أتباع عيسى فقال :
وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها أي إن أتباعه الذين ساروا على نهجه وشريعته اتصفوا بما يأتي :
١ )الرأفة بين بعضهم وبعض، فيدفعون الشر ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ويصلحون ما فسد من أمورهم.
٢ )الرحمة فيجلب بعضهم الخير لبعض كما قال في حق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : رحماء بينهم ( الفتح : ٢٩ ).
٣ )الرهبانية المبتدعة، فقد انقطعوا عن الناس في الفلوات والصوامع معتزلين الخلق وحرموا على أنفسهم النساء ولبسوا الملابس الخشنة، تبتلا إلى الله وإخباتا له.
ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله أي ما فرضنا عليهم هذه الرهبانية، ولكنهم استحدثوها طلبا لمرضاة الله والزلفى إليه.
ثم ذكر أنهم ما حافظوا عليها كما قال :
فما رعوها حق رعايتها أي فما حافظوا على هذه الرهبانية المبتدعة، وما قاموا مما التزموه حق القيام، بل ضيعوها، وكفروا بدين عيسى ابن مريم، فضموا إليه التثليث ودخلوا في دين الملوك الذين غيروا وبدلوا.
وفي هذا ذم لهم من وجهين :
١ )أنهم ابتدعوا في دين الله ما لم يأمر به.
٢ )أنهم لم يقوموا بما فرضوه على أنفسهم مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى ربهم، وقد كان ذلك كالنذر الذي يجب رعايته، والعهد الذي يجب الوفاء به.
روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا بن مسعود )، قلت : لبيك يا رسول الله، قال :( اختلف من كان قبلنا على إحدى وسبعين فرقة، نجا منهم ثلاث وهلك سائرهم، فرقة من الثلاث وازت الملوك وقاتلتهم على دين الله ودين عيسى ابن مريم صلوات الله عليه فقتلتهم الملوك، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك فأقاموا بين ظهراني قومهم يدعونهم إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم صلوات الله عليه، فقتلتهم الملوك بالمناشير، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بالمقام بين ظهراني قومهم يدعونهم إلى دين الله ودين عيسى صلوات الله عليه، فلحقوا بالبراري والجبال فترهبوا فيها فهو قول الله عز وجل : ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم الآية، فمن آمن بي واتبعني وصدقني فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الفاسقون ).
فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون أي فآتينا الذين آمنوا منهم إيمانا صحيحا طبعت آثاره في أعمالهم، فزكوا أنفسهم، وأخبتوا لربهم، وأدوا فرائضه أجورهم التي استحقوها كفاء ما عملوا، وكثير منهم فسقوا عن أمر الله، واجترحوا الشرور والآثام، وظهر فسادهم في البر والبحر بما كسبت أيديهم، فكبكبوا في النار، وباءوا بغضب من الله، ولهم عذاب عظيم.
تفسير المراغي
المراغي