ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

ثُمَّ قَفَّيْنَا على ءاثارهم بِرُسُلِنَا أي اتبعنا على آثار الذرية أو على آثار نوح وإبراهيم برسلنا الذين أرسلناهم إلى الأمم كموسى وإلياس وداود وسليمان وغيرهم وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ أي أرسلنا رسولاً بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى ابن مريم، وهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه وآتيناه الإنجيل وهو الكتاب الذي أنزله الله عليه، وقد تقدّم ذكر اشتقاقه في سورة آل عمران.
قرأ الجمهور الإِنجيل بكسر الهمزة، وقرأ الحسن بفتحها وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَافَةً وَرَحْمَةً الذين اتبعوه هم الحواريون جعل الله في قلوبهم مودّة لبعضهم البعض، ورحمة يتراحمون بها، بخلاف اليهود فإنهم ليسوا كذلك، وأصل الرأفة : اللين والرحمة : الشفقة، وقيل الرأفة : أشدّ الرحمة وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا انتصاب رهبانية على الاشتغال : أي وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، وليس بمعطوفة على ما قبلها، وقيل : معطوفة على ما قبلها : أي وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عند أنفسهم. والأوّل أولى، ورجحه أبو علي الفارسي وغيره، وجملة : مَا كتبناها عَلَيْهِمْ صفة ثانية لرهبانية، أو مستأنفة مقرّرة لكونها مبتدعة من جهة أنفسهم، والمعنى : ما فرضناها عليهم، والرهبانية بفتح الراء وضمها، وقد قرئ بهما، وهي بالفتح : الخوف من الرهب، وبالضم منسوبة إلى الرهبان، وذلك لأنهم غلوا في العبادة وحملوا على أنفسهم المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والمنكح، وتعلقوا بالكهوف والصوامع، لأن ملوكهم غيروا وبدلوا وبقي منهم نفر قليل فترهبوا وتبتلوا، ذكر معناه الضحاك وقتادة وغيرهما إِلاَّ ابتغاء رضوان الله الاستثناء منقطع : أي ما كتبناها نحن عليهم رأساً، ولكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله. وقال الزجاج : ما كتبناها عليهم معناه لم نكتب عليهم شيئًا البتة، قال : ويكون إِلاَّ ابتغاء رضوان الله بدلاً من الهاء والألف في كتبناها، والمعنى : ما كتبنا عليهم إلاّ ابتغاء رضوان الله فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا أي لم يرعوا هذه الرهبانية التي ابتدعوها من جهة أنفسهم وبل صيعوها وكفروا بدين عيسى، ودخلوا في دين الملوك الذين غيروا وبدّلوا وتركوا الترهب، ولم يبق على دين عيسى إلاّ قليل منهم، وهم المرادون بقوله : فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم الذي يستحقونه بالإيمان، وذلك لأنهم آمنوا بعيسى وثبتوا على دينه حتى آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما بعثه الله وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون : خارجون عن الإيمان بما أمروا أن يؤمنوا به، ووجه الذمّ لهم على تقدير أن الاستثناء منقطع أنهم قد كانوا ألزموا أنفسهم الرهبانية معتقدين أنها طاعة وأن الله يرضاها، فكان تركها وعدم رعايتها حق الرعاية يدل على عدم مبالاتهم بما يعتقدونه ديناً. وأما على القول بأن الاستثناء متصل، وأن التقدير : ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلاّ ليبتغوا بها رضوان الله بعد أن وفقناهم لابتداعها فوجه الذم ظاهر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن مسعود قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يا عبد الله، قلت : لبيك يا رسول الله ثلاث مرات، قال : هل تدري أيّ عرى الإسلام أوثق ؟ قلت : الله ورسوله أعلم، قال : أفضل الناس أفضلهم عملاً إذ فقهوا في دينهم، يا عبد الله هل تدري أيّ الناس أعلم ؟ قلت : الله ورسوله أعلم، قال : فإن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصراً بالعمل وإن كان يزحف على إسته، واختلف من كان قبلنا على اثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك سائرها : فرقة وازرت الملوك وقاتلتهم على دين الله وعيسى ابن مريم، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازرة الملوك فأقاموا بين ظهراني قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى فقتلهم الملوك ونشرتهم بالمناشير، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازرة الملوك ولا بالمقام معهم فساحوا في الجبال وترهبوا فيها وهم الذين قال الله : وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابتغاء رضوان الله فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَئَاتَيْنَا الذين ءامَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ هم الذين آمنوا بي وصدقوني وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون الذين جحدوني وكفروا بي». وأخرج النسائي والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال :«كانت ملوك بعد عيسى بدلت التوراة والإنجيل، فكان منهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل فقيل لملوكهم : ما نجد شيئًا أشدّ من شتم يشتمنا هؤلاء إنهم يقرءون وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون [ المائدة : ٤٤ ] وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون [ المائدة : ٤٥ ] فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون [ المائدة : ٤٧ ] مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم، فادعوهم فليقرؤوا كما نقرأ وليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل، أو ليتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلاّ ما بدلوا منهما، فقالوا : ما تريدون إلى ذلك ؟ دعونا، فقالت طائفة منهم : ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم، وقالت طائفة : دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونأكل مما تأكل منه الوحوش ونشرب مما تشرب، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة : ابنوا لنا دوراً في الفيافي ونحتفر الآبار ونحرث البقول فلا نرد عليكم ولا نمرّ بكم، وليس أحد من القبائل إلاّ له حميم فيهم ففعلوا ذلك، فأنزل الله وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانَ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا وقال الآخرون ممن تعبد من أهل الشرك وفني من فني منهم قالوا : نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دوراً كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يبق منهم إلاّ القليل انحط صاحب الصومعة من صومعته وجاء السياح من سياحته وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به وصدّقوه، فقال الله : يأيها الذين ءامَنُوا اتقوا الله وَءامِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ أجرين بإيمانهم بعيسى ونصب أنفسهم والتوراة والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد وتصديقهم وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ القرآن واتّباعهم النبيّ صلى الله عليه وسلم».
وأخرج أحمد والحكيم الترمذي وأبو يعلى والبيهقي في الشعب عن أنس أن النبيّ قال :«إن لكل أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله». وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعريّ في قوله : كِفْلَيْنِ قال : ضعفين وهي بلسان الحبشة. وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر في قوله : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ قال : الكفل ثلثمائة جزء وخمسون جزءاً من رحمة الله.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية