ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿ ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ ﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻ

ودليل تأويل السلف من المفسرين ما
أخبرنا أبو سفيان الحسن بن عبد الله الدهقان قال:
حدّثنا الحسن بن إسماعيل بن خلف الخيّاط قال: حدّثنا أبو بكر محمّد بن الفرج المعدّل قال:
حدّثنا محمّد بن عبيد بن عبد الملك قال: حدّثنا سفيان بن محمّد أبو محمّد (ابن أخت سفيان الثوري) عن عبد الملك بن ملك التميمي عن عبد الله بن خليفة عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله عزّ وجلّ أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: فأنزل الحديد، والنّار، والماء والملح» «١» [٢٢٢].
فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ، قوّة شديدة، يعني: السلاح والكراع، وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ممّا يستعملونها في مصالحهم ومعايشهم إذ هو آلة لكلّ صنعة. وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ، يعني: أرسلنا رسلنا، وأنزلنا معهم هذه الأشياء ليعامل الناس بالحقّ والعدل وليرى سبحانه مَنْ يَنْصُرُهُ أي دينه وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ.
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٢٦ الى ٢٩]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ على دينه رَأْفَةً وَرَحْمَةً والرأفة أشد الرقّة وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها من قبل أنفسهم ما كَتَبْناها فرضناها وأوجبناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ يعني: ولكنهم ابتغوا رِضْوانِ اللَّهِ بتلك الرهبانية فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ، وهم أهل الرأفة والرحمة والرهبانية التي ابتدعوها طلبا لرضا الله وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها وكفروا بدين عيسى وتهوّدوا وتنصّروا. وبنحو ما فسّرنا ورد فيه الآثار.
وقال ابن مسعود: كنت رديف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على حمار، فقال لي: «يا ابن أمّ عبد، هل تدري من أين اتّخذت بنو إسرائيل الرهبانية؟». قلت: الله ورسوله أعلم.

(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٤٠١.

صفحة رقم 247

قال: «ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى (عليه السّلام) يعملون بمعاصي الله سبحانه، فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق منهم إلّا القليل، فقالوا:
إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه، فتعالوا نتفرّق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا عيسى- يعنون محمّدا- فتفرّقوا في غيران الجبال، وأحدثوا الرهبانية، فمنهم من تمسّك بدينه ومنهم من كفر»
[٢٢٣]. ثم تلا هذه الآية وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ- الآية.
فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ يعني: من ثبتوا عليها أَجْرَهُمْ، ثم قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يا ابن أم عبد، أتدري ما رهبانية أمتي؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة والتكبير على التلاع» «١» [٢٢٤].
وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله ابن سليمان قال: حدّثنا شيبان بن فرّوخ قال: حدّثنا الصعق بن حزن، عن عقيل الجعدي، عن أبي إسحاق، عن سويد بن غفلة، عن ابن مسعود قال: دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يا ابن مسعود، اختلف من كان قبلكم على ثنتين وسبعين فرقة ونجا منها ثلاث وهلك سائرهن، فرقة وازت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى فأخذوهم وقتلوهم، وفرقة لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهرانيهم تدعوهم إلى دين الله سبحانه ودين عيسى، فساحوا في البلاد وترهّبوا وهم الذين قال الله سبحانه: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ».
قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من آمن بي وصدّقني واتّبعني فقد رعاها حَقَّ رِعايَتِها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون» [٢٢٥] «٢».
وروى الضحّاك وعطّية عن ابن عباس قال: كتب الله سبحانه عليهم القتال قبل أن يبعث محمّدا صلّى الله عليه وسلّم فلما استخرج أهل الإيمان ولم يبق منهم إلّا قليل وكثر أهل الشرك، وذهبت الرسل وقهروا، اعتزلوا في الغيران فلم يزل بهم ذلك حتى كفرت طائفة منهم، وتركوا أمر الله ودينه، وأخذوا بالبدعة وبالنصرانيّة وباليهودية، ولم يرعوها حقّ رعايتها، وثبتت طائفة على دين عيسى حتى جاءهم البيّنات، وبعث الله سبحانه محمّدا صلّى الله عليه وسلّم وهم كذلك. فذلك قوله عزّ وجلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ إلى قوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا عليّ بن حرب قال:
حدّثنا ابن فضيل قال: حدّثنا عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وحدّثت عن محمّد بن جرير، قال: حدّثنا أبو عمّار الحسين بن حريث قال: حدّثنا الفضل

(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ٢٦٥.
(٢) مجمع الزوائد: ٧/ ٢٦٠.

صفحة رقم 248

ابن موسى عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت ملوك بعد عيسى (عليه السّلام) بدّلوا التوراة والإنجيل. وكان فيهم مؤمنون يقرءون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله ويأمرونهم بتقوى الله سبحانه، فقيل لملكهم: لو جمعت هؤلاء الذين شقّوا عليكم وآذوكم فقتلتموهم، أقرّوا بما نقرّ به، ودخلوا فيما نحن فيه. فدعاهم ملكهم وجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل. إلّا ما بدّلوا فيها، فقالوا: ما تريد منّا؟ نحن نكفيكم أنفسنا. فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا اسطوانة ثم ارفعونا إليها ثم أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نردّ عليكم. وقالت طائفة أخرى: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونسرب كما تسرب الوحش فإن قدرتم علينا بأرض فاقتلونا. وقالت طائفة منهم: ابنوا لنا دورا في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نرد عليكم ولا نمرّ بكم. وليس أحد من أولئك إلّا له حميم منهم، ففعلوا ذلك بهم فمضى أولئك على منهاج عيسى، وخلف قوم من بعدهم ممّن قد غيّر الكتاب، فجعل الرجل يقول: نكون في مكان فلان فنتعبّد كما تعبّد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتّخذ دورا كما اتّخذ فلان، وهم على شركهم، ولا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فذلك قوله سبحانه: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ. قال: ابتدعها هؤلاء الصالحون فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها، يعني الآخرين الذين جاءوا من بعدهم، وفَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ يعني الذين: ابتدعوها وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ: الذين جاءوا من بعدهم.
قال: فلمّا بعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم (عليه السلام) ولم يبق منهم إلّا قليل، انحطّ رجل من صومعته، وجاء السائح من سياحته وصاحب الدير من ديره، وآمنوا به وصدّقوه فقال الله عزّ وجلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ محمّد (عليه السّلام) يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ قال:
أجرين لإيمانهم بعيسى والإنجيل وإيمانهم بمحمّد والقرآن، وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ يعني: القرآن لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ الذين يتشبّهون بهم أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ إلى آخرها.
وقال قوم: انقطع الكلام عند قوله: وَرَحْمَةً ثم قال: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ وذلك أنّهم تركوا الحقّ، وأكلوا لحم الخنزير، وشربوا الخمر، ولم يتوضّؤوا ولم يغتسلوا من جنابة، وتركوا الختان، فَما رَعَوْها يعني: الطاعة والملّة حَقَّ رِعايَتِها. كناية عن غير مذكور. فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ، وهم أهل الرأفة والرحمة وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ، وهم أهل الرهبانية والبدعة، وإليه ذهب مجاهد.
ومعنى قوله: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ: وما أمرناهم إلّا بذلك وما أمرناهم إلّا بالترهّب، أو يكون وجهه: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ بزعمهم وعندهم، والله أعلم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ محمّد (عليه السلام) يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ:
نصيبين مِنْ رَحْمَتِهِ لإيمانكم بالأوّل وإيمانكم بالآخر.

صفحة رقم 249

وقال أبو موسى الأشعري: كِفْلَيْنِ: ضعفين بلسان الحبشة.
قال ابن جبير: وأصله ما يكتفل به الراكب من الثياب والمتاع فيحبسه ويحفظه من السقوط، يقول: يحصنكم هذا الكفل من العذاب كما يحصن الراكب الكفل من السقوط. ومنه الكفالة لأنّها تحصن الحقّ.
وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ في الناس، وعلى الصراط أحسن.
وقال ابن عباس: النور القرآن.
وقال مجاهد: الهدى والبيان، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
قال سعيد بن جبير: بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم جعفرا رضي الله عنه في سبعين راكبا للنجاشي يدعوه، فقدم عليه فدعاه فاستجاب له وآمن به، فلمّا كان عند انصرافه قال ناس ممّن آمن به من أهل مملكته وهم أربعون رجلا: ايذن لنا فنأتي هذا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فنلمّ به ونجدّف بهؤلاء في البحر فإنا أعلم بالبحر منهم. فقدموا مع جعفر على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقد تهيأ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم (عليه السّلام) لوقعة أحد، فلمّا رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة وشدّة الحال استأذنوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم (عليه السلام) فقالوا: يا رسول الله إنّ لنا أموالا، ونحن نرى ما بالمسلمين من خصاصة، فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها. فأذن لهم فانصرفوا وأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين، فأنزل الله سبحانه فيهم الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ إلى قوله وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ «١» فكانت النفقة التي واسوا بها المسلمين فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن قوله:
يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ «٢»، فجروا على المسلمين فقالوا: يا معشر المسلمين، أما من آمن منّا بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم فما فضلكم علينا؟ فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ فجعل لهم أجرين وزادهم النور والمغفرة
ثم قال: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ، وهكذا قرأها سعيد بن جبير أَلَّا يَقْدِرُونَ الآية.
وروى حنان عن الكلبي قال: كان هؤلاء أربعة وعشرين رجلا قدموا من اليمن على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو بمكّة، لم يكونوا يهودا ولا نصارى، وكانوا على دين الأنبياء فأسلموا، فقال لهم أبو جهل: بئس القوم أنتم والوفد لقومكم. فردّوا عليه: وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ، فجعل الله سبحانه لهم ولمؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه أجرين اثنين، فجعلوا يفخرون على أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقالوا: نحن أفضل منكم لنا أجران ولكم أجر واحد، فأنزل الله سبحانه: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ الآية.

(١) سورة القصص: ٥٤. [.....]
(٢) سورة القصص: ٥٤.

صفحة رقم 250

أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا عبد الرحمن بن سفيان، عن صالح، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من كانت له أمة فعلّمها فأحسن تعليمها، وأدّبها فأحسن تأديبها، وأعتقها وتزوّجها فله أجران، وعبد أدّى حقّ الله وحقّ مواليه، ورجل «١» من أهل الكتاب آمن بما جاء به موسى أو ما جاء به عيسى وما جاء به محمّد صلّى الله عليه وسلّم فله أجران» [٢٢٦] «٢».
وقال قتادة: حسد أهل الكتاب المسلمين، فأنزل الله سبحانه هذه الآية.
وقال مجاهد: قالت اليهود: يوشك أن يخرج منا نبيّ يقطع الأيدي والأرجل، فلمّا خرج من العرب كفروا، فأنزل الله سبحانه لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أي ليعلم (لا) صلة أَلَّا يَقْدِرُونَ يعني أنّهم لا يقدرون، كقوله: أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا «٣» وأنشد الفرّاء:
إنّي كفيتك ما توثق... إن نجوت إلى الصباح
وسلمت من عرض الجنون... من الغدوّ إلى الرواح
إن تهبطنّ بلاد قومي... يرتعون من الطلاح
أي: إنّك تهبطن.
عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ الآية.
أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثني أبو بكر بن خرجة قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدّثنا الحسن بن السكن البغدادي، قال: حدّثنا أبو زيد النحوي، عن قيس بن الربيع عن الأعمش، عن عطيّة، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله عزّ وجلّ قسّم الأجر وقسّم العمل، فقيل لليهود: اعملوا، فعملوا إلى نصف النهار، فقيل: لكم نصف قيراط. وقيل للنصارى: اعملوا، فعملوا من نصف النهار إلى العصر، فقيل: لكم قيراط.
وقيل للمسلمين: اعملوا، فعملوا من صلاة العصر إلى غروب الشمس بقيراطين. فتكلّم اليهود والنصارى في ذلك، فأنزل الله سبحانه: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ»
[٢٢٧] «٤».

(١) في المصدر: أيما رجل من أهل الكتاب... مع تقديم وتأخير فيه.
(٢) مسند أحمد: ٤/ ٣٩٥.
(٣) سورة طه: ٨٩.
(٤) الدر المنثور: ٦/ ١٧٩.

صفحة رقم 251

الكشف والبيان عن تفسير القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أو الثعالبي

راجعه

نظير الساعدي

الناشر دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان
سنة النشر 1422 - 2002
الطبعة الأولى 1422، ه - 2002 م
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية