ثم أمر سبحانه المؤمنين بالرسل المتقدّمين بالتقوى والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقال : يأيها الذين ءامَنُوا اتقوا الله بترك ما نهاكم عنه وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ أي نصيبين من رحمته بسبب إيمانكم برسوله بعد إيمانكم بمن قبله من الرسل، وأصل الكفل : الحظ والنصيب، وقد تقدّم الكلام على تفسيره في سورة النساء وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ يعني : على الصراط كما قال : نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [ التحريم : ٨ ] وقيل : المعنى ويجعل لكم سبيلاً واضحاً في الدين تهتدون به وَيَغْفِرْ لَكُمْ ما سلف من ذنوبكم والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ أي بليغ المغفرة والرحمة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن مسعود قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يا عبد الله، قلت : لبيك يا رسول الله ثلاث مرات، قال : هل تدري أيّ عرى الإسلام أوثق ؟ قلت : الله ورسوله أعلم، قال : أفضل الناس أفضلهم عملاً إذ فقهوا في دينهم، يا عبد الله هل تدري أيّ الناس أعلم ؟ قلت : الله ورسوله أعلم، قال : فإن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصراً بالعمل وإن كان يزحف على إسته، واختلف من كان قبلنا على اثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك سائرها : فرقة وازرت الملوك وقاتلتهم على دين الله وعيسى ابن مريم، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازرة الملوك فأقاموا بين ظهراني قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى فقتلهم الملوك ونشرتهم بالمناشير، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازرة الملوك ولا بالمقام معهم فساحوا في الجبال وترهبوا فيها وهم الذين قال الله : وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها مَا كتبناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابتغاء رضوان الله فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَئَاتَيْنَا الذين ءامَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ هم الذين آمنوا بي وصدقوني وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون الذين جحدوني وكفروا بي». وأخرج النسائي والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال :«كانت ملوك بعد عيسى بدلت التوراة والإنجيل، فكان منهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل فقيل لملوكهم : ما نجد شيئًا أشدّ من شتم يشتمنا هؤلاء إنهم يقرءون وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون [ المائدة : ٤٤ ] وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون [ المائدة : ٤٥ ] فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون [ المائدة : ٤٧ ] مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم، فادعوهم فليقرؤوا كما نقرأ وليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل، أو ليتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلاّ ما بدلوا منهما، فقالوا : ما تريدون إلى ذلك ؟ دعونا، فقالت طائفة منهم : ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم، وقالت طائفة : دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونأكل مما تأكل منه الوحوش ونشرب مما تشرب، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة : ابنوا لنا دوراً في الفيافي ونحتفر الآبار ونحرث البقول فلا نرد عليكم ولا نمرّ بكم، وليس أحد من القبائل إلاّ له حميم فيهم ففعلوا ذلك، فأنزل الله وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانَ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا وقال الآخرون ممن تعبد من أهل الشرك وفني من فني منهم قالوا : نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دوراً كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يبق منهم إلاّ القليل انحط صاحب الصومعة من صومعته وجاء السياح من سياحته وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به وصدّقوه، فقال الله : يأيها الذين ءامَنُوا اتقوا الله وَءامِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ أجرين بإيمانهم بعيسى ونصب أنفسهم والتوراة والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد وتصديقهم وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ القرآن واتّباعهم النبيّ صلى الله عليه وسلم».
وأخرج أحمد والحكيم الترمذي وأبو يعلى والبيهقي في الشعب عن أنس أن النبيّ قال :«إن لكل أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله». وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعريّ في قوله : كِفْلَيْنِ قال : ضعفين وهي بلسان الحبشة. وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر في قوله : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ قال : الكفل ثلثمائة جزء وخمسون جزءاً من رحمة الله.