آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ( ٧ ) وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين ( ٨ ) هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤوف رحيم ( ٩ ) .
والإله الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما، والغالب على كل شيء، والمدبر وفق الحكمة، والمحيي المميت، والقديم الباقي، والحي القيوم، والخلاق العليم، ومن له غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله، هو- دون سواه- أهل أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، فآمنوا به وبرسوله، وصدقوا واستيقنوا واستديموا اليقين بجلال رب العالمين، وتصديق واتباع نبيه الكريم المبعوث بالدين القويم ؛ وبعد أقدس أعمال القلوب- الإيمان واليقين – أمرنا بعبادة من أبر العبادات وأرضاها لله ولعباده، ننفق في كل ما أذن ربنا أن ننفق فيه، وفيما جعله تجارة معه سبحانه، ومع أن الأموال من جوده وفيضه فإنه جل علاه يمنح المنفقين المؤمنين أجرا عظيما : درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما ١، وأيا ما كانت النفقة المشروعة فإنها مع الإيمان وصدق النية قربة تؤجر عليها حتى ما تجعل في فم امرأتك- تنفق على نفسك أو على زوجتك أو على أولادك وخدمك، أو على والديك أو على أقاربك، ثم على أي مسلم، حتى لو أطعمت الحيوان الأعجم أو سقيته.
وكيف لا تستيقنون بالله وأي شيء يمنعكم من ذلك، وخاتم النبيين يبين لكم الحجة، ويسوق الدليل والبرهان على وجوب الإيمان ؟ وقد أقررتم بعهد ربكم وميثاقه، ورضيتم بالله ربا وبالإسلام دينا، إن كنتم صادقين في الانتساب إلى أهل اليقين ؛ هذا إذا كان الخطاب للمؤمنين- ويكون آمنوا في الآية الأولى أمرا بالثبات على الإيمان ودوامه، و وما لكم لا تؤمنون الآية على معنى : كيف لا تثبتون على الإيمان ودواعي ذلك موجودة ؟ وقيل : عام يوبخ من لم يؤمن منهم بعد الإيمان، ثم من آمن بعدم الإنفاق في سبيله ؟.. قيل : لتوبيخهم على الكفر مع تحقيق ما يوجب عدمه بعد توبيخهم عليه مع عدم ما يوجبه... وأي عذر في ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه وينبهكم عليه... وقد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان من قبل، .. فأخذ الميثاق إشارة إلى ما كان منه تعالى من نصب الأدلة الأفاقية والأنفسية، والتمكين من النظر، فقوله تعالى : والرسول يدعوكم إشارة إلى الدليل السمعي، وهذه إشارة الدليل العقلي، وفي التقديم والتأخير ما يؤيد القول بشرف السمعي ٢ على العقل٣- وربنا ينزل وحيه وآيات قرآنه على خاتم أنبيائه، وفيها البرهان والسلطان والحجة، ليخرجكم بهذا الدليل والهدى والمنهاج من ظلمات الكفر والحيرة والضلال إلى نور الحق والخير والرشد والإيمان، واستيقنوا أن الله يريد بكم اليسر، ويرضى لكم الاستقامة والبر، لتنالوا بذلك الفوز والعز : يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ٤ .. وإن تشكروا يرضه. لكم... ٥ .. وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم ٦ وهو سبحانه بالمهتدين المستقيمين أرأف وأرحم.
٢ - ما جاء به الوحي؛ والعقلى: ما اتسقل بإدراكه العقل..
٣ - روح المعاني..
٤ سورة النساء: الآية ٢٦..
٥ - سورة الزمر. من الآية ٧..
٦ - سورة البقرة. من الآية ١٤٣..
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب