{آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤوف رحيم وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين
صفحة رقم 470
أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم} وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ تحتمل هذه النفقة وجهين: أحدهما: أن تكون الزكاة المفروضة. والثاني: أن يكون غيرها من وجوه الطاعات. وفي ما جَعَلَكْم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ قولان: أحدهما: يعني مما جعلكم معمرين فيه بالرزق، قاله مجاهد. الثاني: مما جعلكم مستخلفين فيه بوراثتكم له عمن قبلكم، قاله الحسن. ويحتمل ثالثاً: مما جعلكم مستخلفين على القيام بأداء حقوقه. وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يحتمل وجهين: أحدهما: معناه ولله ملك السموات والأرض. الثاني: أنهما راجعان إليه بانقباض من فيهما كرجوع الميراث إلى المستحق. لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ فيه قولان: أحدهما: لا يستوي من أسلم من قبل فتح مكة وقاتل ومن أسلم بعد فتحها وقاتل، قاله ابن عباس، ومجاهد. الثاني: يعني من أنفق ماله في الجهاد وقاتل، قاله قتادة. وفي هذا الفتح قولان: أحدهما: فتح مكة، قاله زيد بن أسلم. الثاني: فتح الحديبية، قاله الشعبي، قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الأخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كان القتال والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك. وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى فيه قولان: أحدهما: أن الحسنى الحسنة، قاله مقاتل. الثاني: الجنة، قاله مجاهد. ويحتمل ثالثاً: أن الحسنى القبول والجزاء.
صفحة رقم 471
مَّن ذَا الَّذِي يُقْرضُ اللَّه قَرْضاً حَسَناً فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن القرض الحسن هو أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله والله أكبر، رواه سفيان عن ابن حيان. الثاني: أنه النفقة على الأهل، قاله زيد بن أسلم. الثالث: أنه التطوع بالعبادات، قاله الحسن. الرابع: أنه عمل الخير، والعرب تقول لي عند فلان قرض صدق أو قرض سوء، إذا فعل به خيراً أو شراً، ومنه قول الشاعر:
| (وتجزي سلاماً من مقدم قرضها | بما قدمت أيديهم وأزلت) |
| (وإذا جوزيت قرضاً فاجزه | إنما يجزى الفتى ليس الجمل) |
وروى سعيد بن جبير أن اليهود أتت النبي ﷺ عند نزول هذه الآية، فقالوا يا محمد، أفقير ربك يسأل عباده القرض؟ فأنزل الله لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ الآية. يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم وفي نورهم ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ضياء يعطيهم الله إياه ثواباً وتكرمة، وهذا معنى قول قتادة. الثاني: أنه هداهم الذي قضاه لهم، قاله الضحاك. الثالث: أنه نور أعمالهم وطاعتهم. قال ابن مسعود: ونورهم على قدر أعمالهم يمرون على الصراط منهم مَن نوره مثل النخلة، وأدناهم نوراً مَن نوره على إبهام رجله يوقد تارة ويطفأ أخرى. وقال الضحاك: ليس أحد يعطى يوم القيامة نوراً، فإذا انتهوا إلى الصراط أطفىء نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن ينطفىء نورهم كما طفىء نور المنافقين، فقالوا: رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا. وفي قوله: بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وجهان: أحدهما: ليستضيئوا به على الصراط، قاله الحسن. والثاني: ليكون لهم دليلاً إلى الجنة، قاله مقاتل. وفي قوله: بِأَيْمَانَهِم في الصدقات والزكوات وسبل الخير. الرابع: بإيمانهم في الدنيا وتصديقهم بالجزاء، قاله مقاتل. قوله تعالى بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ فيه وجهان:
صفحة رقم 473
أحدهما: أن نورهم هو بشراهم بالجنات. الثاني: هي بشرى من الملائكة يتلقونهم بها في القيامة، قاله الضحاك.
صفحة رقم 474النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود