ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ

الأمر بالإيمان والإنفاق
بعد أن أثبت الله تعالى في أوائل سورة الحديد وحدانيته وعلمه وقدرته، بمشاهد السماوات والأرض والأنفس، أعقبها بالأمر ببعض الواجبات، فأمر بالإيمان الخالص بالله تعالى وبرسوله، ثم أوجب على المؤمنين الإنفاق في سبيل الله، وحثّ عليه بمضاعفة الأجر أو الثواب عليه. وأعلمنا بأن آياته الدينية والكونية تخرج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وأن أهل الإيمان يسعى نورهم بين أيديهم إلى جنان الخلد التي تبشّرهم بها الملائكة، كما يتّضح من هذه الآيات:
[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٧ الى ١٢]
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» [الحديد: ٥٧/ ٧- ١٢].
مطلع الآيات: أمر للمؤمنين بالثبوت على الإيمان والإنفاق في سبيل الله، أي صدّقوا بالله إلها واحدا، وبرسوله محمد صلّى الله عليه وسلّم رسولا من عند الله، وداوموا على الإنفاق من الأموال، مما جعلكم خلفاء في التّصرف فيه، من غير تملّكه حقيقة،

(١) يخلف بعضكم في إرث الأموال والتصرف فيها.
(٢) آيات واضحات هي آي القرآن.
(٣) هو فتح مكة على المشهور. [.....]
(٤) أي الجنة.
(٥) أي ينفق في سبيل الله تعالى.

صفحة رقم 2589

فالذين صدقوا بالله ورسوله من أهل الإيمان، وأنفقوا في سبيل الله، لهم ثواب كبير واسع. وقوله: مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ تزهيد وتنبيه على أن الأموال إنما تصير إلى الإنسان من غيره ويتركها لغيره، وليس له إلا ما تضمنه قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، الذي
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنّسائي وأحمد عن مطرف عن أبيه قال: أتيت النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وهو يقرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) [التكاثر: ١٠٢/ ١] قال:
يقول ابن آدم، مالي مالي، قال: وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت».
ثم وبّخ الله تعالى على ترك الإيمان بقوله: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ.. أي ما الذي يمنعكم عن الإيمان، والرسول محمد معكم يدعوكم إلى ذلك، فتصدقوا بربّكم، ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به، وقد أخذ العهد عليكم في عالم الذّر حين أخرجكم من ظهر أبيكم آدم، إن كنتم مؤمنين في حال من الأحوال، فالآن آمنوا، أو إذا دمتم على ما بدأتم به.
والغاية من إنزال القرآن: أن الله هو الذي أراد بإنزال الآيات الواضحات في القرآن وغيره، أن يخرجكم من ظلمات الجهل والكفر والتناقض، إلى نور الهدى واليقين والسعادة، وإن الله لكثير الرأفة والرحمة بعباده، حيث أنزل الكتب، وبعث الرسل، لهدايتهم.
وأي شيء يمنعكم من الإنفاق في طاعة الله ومرضاته والجهاد لأجل إعلاء كلمته؟
وكل الأموال والثروات صائرة إلى الله تعالى، إن لم تنفقوها في حياتكم، كرجوع الميراث إلى الوارث، ولا يبقى لكم منه شيء، فالمال مال الله، ولا تساوي بين من أنفق في سبيل الله قبل فتح مكة وقاتل، ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، أولئك الأولون أعظم درجة من الآخرين، لأن حاجة الناس كانت حينئذ أكثر، والعدد أقل

صفحة رقم 2590

وأضعف، وكل واحد من الفريقين وعده الله المثوبة الحسنى، وهي الجنة، والله عليم بأعمالكم وأحوالكم الظاهرة والباطنة، فيجازيكم بذلك.
ذكر الواحدي عن الكلبي: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه.
وثمرة الإنفاق تبدو في مضاعفة الثواب، فمن الذي ينفق ماله في سبيل الله، محتسبا أجره عند ربّه؟ فإنه كمن يقرضه قرضا حسنا، والله يضاعف له ذلك القرض، فيجعل له الحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، وله بعد ذلك ثواب كثير الخير والنفع، وهو الجنة.
وحال المؤمنين المنفقين يوم القيامة هو: اذكر أيها النّبي ذلك اليوم حين تنظر المؤمنين والمؤمنات يسعى الضياء الذي يرونه على الصراط يوم القيامة أمامهم، وهو نور حقيقة يعطونه، وتكون كتبهم بأيمانهم، أي أعمالهم الصالحة سببا لنجاتهم، وهدايتهم إلى الجنة، وتبشّرهم الملائكة بالجنات (البساتين) التي تجري من تحتها الأنهار، ماكثين فيها على الدوام، تكريما لهم، وذلك هو النجاح العظيم الذي لا مثيل له. فللمؤمنين نور حقيقة يوم القيامة يمنحهم الله إياه، وهذا النور من جميع جهاتهم، فهو كاف بين أيديهم، وعن أيمانهم، وكائن بسبب إيمانهم على قراءة إيمانهم.
حال المنافقين في الآخرة
يظهر الفرق واضحا في الآخرة بين المؤمنين، حيث يعطى كل مؤمن مظهر ومبطن للإيمان نورا، وبين المنافقين حيث يطفى نور كل منافق، ويبقى نور المؤمنين، فيلتمس أهل النفاق عون المؤمنين ومساعدتهم لهم، فيجابون بالخيبة واليأس، لأن النار

صفحة رقم 2591

التفسير الوسيط

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر - دمشق
سنة النشر 1422
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية