قوله تعالى : يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله في أوامره ونواهيه، وأداء فرائضه واجتناب معاصيه. وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ يعني يوم القيامة، والعرب تكني عن المستقبل بالغد.
وقيل : ذكر الغد تنبيهاً على أن الساعة قريبة ؛ كقوله :[ الطويل ]
وإنَّ غَداً للنَّاظرينَ قريبُ١ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الحسن وقتادة : قرب الساعة حتى جعلت كغد ؛ لأن كل آت قريب، والموت لا محالة آت٢. ومعنى «ما قدَّمتْ » أي : من خير أو شرّ.
ونكر النفس لاستقلال النفس التي تنظر فيما قدمت للآخرة، كأنه قال : فلتنظر نفس واحدة في ذلك، ونكر الغد، لتعظيمه وإبهام أمره، كأنه قيل : الغد لا يعرف كنهه لعظمه٣.
وقرأ العامة بسكون لام الأمر في قوله :«ولتنظر »، وأبو حيوة ويحيى٤ بن الحارث بكسرها على الأصل.
والحسن٥ : بكسرها ونصب الفعل، جعلها لام «كي »، ويكون المعلل مقدّراً، أي : ولتنظر نفس حذركم وأعمالكم.
قوله تعالى : واتقوا الله تأكيد، وقيل : كرر لتغاير متعلق التقويين فمتعلق الأولى : أداء الفرائض لاقترانه بالعمل، والثانية : ترك المعاصي لاقترانه بالتهديد والوعيد، قال معناه الزمخشري٦.
ثم قال : إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ، قال سعيد بن جبير : بِمَا تَعْمَلُونَ أي : بما يكون منكم٧.
فإن يكُ صدر هذا اليوم ولّى *** فإن غدا لناظره قريب
ينظر القرطبي ١٨/٢٩..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٥٠)، عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٩٨)، وعزاه إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد..
٣ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢٥٣..
٤ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٢٩١، والبحر المحيط ٨/٢٤٩، والدر المصون ٦/٢٩٩..
٥ ينظر: المصدر السابق..
٦ ينظر: الكشاف ٤/٥٠٨، والدر المصون ٦/٢٩٩..
٧ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/٢٩)..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود