ثم لما ذكر سبحانه ما ينبغي للمؤمنين من معاداة الكفار وترك موادّتهم فصل القول فيمن يجوز برّه منهم ومن لا يجوز، فقال : لاَّ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أي لا ينهاكم عن هؤلاء أَن تَبَرُّوهُمْ هذا بدل من الموصول بدل اشتمال. وكذا قوله : وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ يقال : أقسطت إلى الرّجل : إذا عاملته بالعدل.
قال الزجاج : المعنى : وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من الوفاء بالعهد إِنَّ الله يُحِبُّ المُقْسِطِين أي العادلين ؛ ومعنى الآية : أن الله سبحانه لا ينهى عن برّ أهل العهد من الكفار الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال، وعلى أن لا يظاهروا الكفار عليهم، ولا ينهى عن معاملتهم بالعدل. قال ابن زيد : كان هذا في أوّل الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم نسخ. قال قتادة : نسختها فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ [ التوبة : ٥ ] وقيل : هذا الحكم كان ثابتاً في الصلح بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فلما زال الصلح بفتح مكة نسخ الحكم. وقليل : هي خاصة في حلفاء النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن بينه وبينه عهد، قاله الحسن. وقال الكلبي : هم خزاعة وبنو الحارث بن عبد مناف. وقال مجاهد : هي خاصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا، وقيل : هي خاصة بالنساء والصبيان. وحكى القرطبي عن أكثر أهل التأويل أنها محكمة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأبِيهِ قال : نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه، وقوله : رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك، فيقولون لو كان هؤلاء على الحقّ ما أصابهم هذا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عنه : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ قال : في صنيع إبراهيم كله إلاّ في الاستغفار لأبيه، وهو مشرك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ قال : لا تسلطهم علينا فيفتنونا. وأخرج ابن مردويه عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال : أوّل من قاتل أهل الردّة على إقامة دين الله أبو سفيان بن حرب وفيه نزلت هذه الآية : عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مّنْهُم مَّوَدَّةً . وأخرج ابن أبي حاتم عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل أبا سفيان بن حرب على بعض اليمن، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل، فلقي «ذا الخمار» مرتدّاً، فكان أوّل من قاتل في الردّة وجاهد عن الدّين. قال : وهو فيمن قال الله فيه : عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مّنْهُم مَّوَدَّةً . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن عديّ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في الآية قال : كانت المودّة التي جعل بينهم تزويج النبيّ صلى الله عليه وسلم أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، فصارت أمّ المؤمنين، فصار معاوية خال المؤمنين. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس أن أبا سفيان قال :«يا رسول الله ثلاث أعطنيهنّ، قال : نعم، قال : تؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال : نعم، قال : ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال : نعم، قال : وعندي أحسن العرب وأجمله أمّ حبيبة بنت أبي سفيان أزوّجكها» الحديث. وأخرج الطيالسي وأحمد والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والحاكم وصححه وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال : قدمت قتيلة بنت عبد العزّى على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا : ضباب وأقط وسمن وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها حتى أرسلت إلى عائشة أن سلي عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته، فأنزل الله لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِي الدين الآية، فأمرها أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها، وزاد ابن أبي حاتم في المدّة التي كانت بين قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي البخاري وغيره عن أسماء بنت أبي بكر قالت :«أتتني أمي راغبة وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألت النبيّ صلى الله عليه وسلم : أأصلها ؟ فأنزل الله : لاَّ ينهاكم الله الآية، فقال : نعم صلي أمك».