قوله : وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ .
أي : هيئاتهم، ومناظرهم، وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ يعني : عبد الله بن أبي وقال ابن عباس : كان عبد الله بن أبي وسيماً جسيماً صحيحاً صبيحاً ذلق اللسان، فإذا قال، سمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالته، وصفه الله بتمامِ الصُّورةِ وحسن الإبانةِ١.
وقال الكلبي : المراد ابن أبي وجدُّ بن قيس ومعتِّب بن قشير، كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة٢.
وفي صحيح مسلم : وقوله : كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ . كانوا رجالاً [ أجمل ]٣ شيء كأنهم خشبٌ مسنَّدةٌ شبههم بخشب مسندة إلى الحائطِ لا يسمعون ولا يعقلون أشباحٌ بلا أرواحٍ، وأجسامٌ بلا أحلامٍ٤.
وقيل : شبههم بالخشب التي قد تآكلت فهي مسندة بغيرها لا يعلم ما في بطنها٥.
قال الزمخشري٦ : شبهوا في استنادهم بالخشب المسندة إلى حائط ؛ لأنهم أجرام خاليةٌ عن الإيمان والخير بالخشب المسندة إلى الحائط، لأن الخشب إذا انتفع به كان في سقف أو جدار، أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكاً فارغاً غير منتفع به فأسند إلى الحائط، فشبهوا به في عدم الانتفاع، ويجوز أن يراد بها الأصنام المنحوتة من الخشب المسندة إلى الحيطان.
فصل في قراءة خشب
قرأ قنبل وأبو عمرو والكسائي٧ :«خُشْبٌ » بإسكان الشين. وهي قراءة البراء بن عازب، واختيارُ عُبيدٍ.
لأنَّ واحدتها خشبة كما تقول : بدنة وبُدْن. قاله الزمخشري٨.
وقال أبو البقاء٩ : و «خُشبٌ » - بالإسكان والضم - جمع خَشَب، مثل : أَسَد وأُسْد.
قال القرطبي١٠ : وليس في اللغة :«فَعَلَة » يجمع على «فُعُل »، ويلزم من ثقلها أن تقول :«البُدُن » فتقرأ :«والبُدُنَ »، وذكر اليزيدي أنه جمع الخشباءِ، كقوله تعالى : وَحَدَائِقَ غُلْباً [ عبس : ٣٠ ] واحدتها : حديقة غلباء.
وقرأ الباقون من السبعة : بضمتين.
وقرأ سعيد بن جبير١١، وابن المسيب : بفتحتين.
ونسبها الزمخشري لابن عبَّاس، ولم يذكر غيره١٢.
فأما القراءة - بضمتين - فقيل : يجوز أن تكون جمع خشبة، نحو : ثمرة وثُمُر. قاله الزمخشري١٣.
وفيه نظر ؛ لأن هذه الصيغة محفوظة في «فَعَلَة » لا ينقاس نحو : ثَمَرَة وثُمُر.
ونقل الفارسي عن الزبيدي :«أنه جمع : خَشْبَاء، وأخْشِبَة » غلط عليه ؛ لأنه قد يكون قال :«خُشْب » - بالسكون - جمع «خَشْبَاء » نحو :«حَمْرَاء وحُمْر » لأن «فَعْلاء » الصفة لا تجمع على «فُعُل » بضمتين، بل بضمة وسكون.
وقوله : الزبيدي، تصحيف، إما منه، وإما من الناسخ، إنما هو اليزيدي تلميذ أبي عمرو بن العلاء، ونقل ذلك الزمخشري١٤.
وأما القراءة بضمة وسكون.
فقيل : هي تخفيف الأولى.
وقيل : هي جمع خشباء، كما تقدم.
وهي الخشبة التي نُخِر جوفها، أي : فرغ، شبهوا بها لفراغ بواطنهم مما ينتفع به١٥.
وأما القراءة - بفتحتين - فهو اسم جنس، وأنِّثَتْ صفته، كقوله : نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [ الحاقة : ٧ ] وهو أحد الجائزين.
وقول :«مُسَنَّدَةٌ ».
تنبيه على أنه لا ينتفعُ بها كما ينتفعُ بالخشب في سقفٍ وغيره، أو شبهوا بالأصنام ؛ لأنهم كانوا يسندونها إلى الحيطان شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم١٦.
وقيل : شُبِّهُوا بالخشب المُسنَّدةِ إلى الحائط، لأن الخشبة المسنَّدة إلى الحائط أحدُ طرفيها إلى جهة، والآخرُ إلى جهة أخرى.
والمنافق كذلك لأن أحد طرفيه وهو الباطن إلى جهة أهل الكفر، والطرف الآخر وهو الظاهرُ إلى جهة أهلِ الإسلام.
ونقل القرطبي١٧ عن سيبويه أنه يقال :«خَشَبةٌ وخِشَابٌ وخُشُبٌ » مثل : ثَمَرة وثِمَار وثُمُر، والإسناد : الإمالة، تقول : أسندتُ الشيء أي : أملته، و «مُسَنَّدةٌ » للتكثير، أي : استندوا إلى الإيمان لحقن دمائهم.
قوله : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ .
فيه وجهان١٨ :
أظهرهما : أن «عليهم » هو المفعول الثاني للحسبان، أي واقعة وكائنة عليهم ويكون قوله : هُمُ العدو جملة مستأنفة، أخبر الله عنهم بذلك.
والثاني : أن يكون «عليهم » متعلقاً ب «صَيحةٍ » و «هُمُ العَدُوُّ » جملة في موضع المفعول الثاني للحسبان.
قال الزمخشري١٩ :«ويجوز أن يكون " هُمُ العَدُوُّ " هو المفعولُ الثَّاني كما لو طرحت الضمير.
فإن قلت : فحقه أن يقال : هي العدُوُّ، قلت : منظور فيه إلى الخبر كما في قوله : هذا رَبِّي [ الأنعام : ٧٧ ]، وأن يقدر مضافٌ محذوفٌ أي : يحسبون كل أهلِ صيحةٍ » انتهى.
وفي الثاني بعد بعيد.
فصل
وصفهم الله تعالى بالجُبْنِ والخَوَر.
قال مقاتل والسدي : إذا نادى مناد في العسكر أن انفلتت دابة، أو أنشدت ضالّة ظنوا أنهم هم المرادون، لما في قلوبهم من الرعب٢٠.
كما قال الأخطل :[ الكامل ]
٤٧٧٣ - مَا زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهُمْ***خَيْلاً تكرُّ عَليْهِمُ ورِجَالا٢١
وقيل : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ ، أنهم قد فطن بهم وعلم بنفاقهم ؛ لأن للريبة خوفاً، استأنف الله خطاب نبيه - عليه الصلاة والسلام - فقال :«هم العَدُوُّ » وهذا معنى قول الضحاك٢٢.
وقيل : يَحْسَبُونَ كُلَّ صيحةٍ يسمعونها في المسجد أنها عليهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر فيها بقتلهم، فهم أبداً وجلُون من أن ينزل الله فيهم أمراً يبيح به دماءهم، ويَهْتِكُ به أسْتارهُم، ثم وصفهم الله بقوله هُمُ العدو فاحذرهم حكاه عبد الرحمن بن أبي حاتم٢٣.
قوله : فاحذرهم . فيه وجهان٢٤ :
أحدهما : فاحذر أن تثق بقولهم، أو تميل إلى كلامهم.
الثاني : فاحذر ممايلتهُم لأعدائك، وتخذيلهم لأصحابك.
قَاتَلَهُمُ الله .
قال ابن عباس : أي : لعنهم الله٢٥.
قال أبو مالك : هي كلمةُ ذمٍّ وتوبيخ.
وقد تقول العرب : قاتله اللَّه ما أشعرهُ، فيضعونه موضع التعجب.
وقيل : معنى قَاتَلَهُمُ الله أي : أحلَّهُم محلَّ من قاتله عدو قاهر، لأن الله تعالى قاهرٌ لكلِّ معاندٍ. حكاه ابن عيسى٢٦.
قوله : أَنَّى يُؤْفَكُونَ .
«أنى » بمعنى : كيف.
قال ابن عطية٢٧ : ويحتمل أن يكون «أنى » ظرفاً ل «قاتلهم »، كأنه قال : قاتلهم الله كيف انصرفوا، أو صرفوا، فلا يكون في القولِ استفهام على هذا. انتهى.
قال شهاب الدين٢٨ : وهذا لا يجوز ؛ لأن «أنَّى » إنما تستعمل بمعنى «كيف »، أو بمعنى «أين » الشرطية أو الاستفهامية، وعلى التقادير الثلاثة فلا تتمحض للظرف، فلا يعمل فيها ما قبلها ألبتَّة كما لا يعملُ في أسماءِ الشرط والاستفهام.
فصل
قال ابن عباس :«أنَّى يؤفكُونَ » أي : يكذبون٢٩.
وقال قتادة : أي يعدلون عن الحق٣٠.
وقال الحسن : يُصْرفُونَ عن الرشدِ٣١.
وقيل : معناه كيف تضل عقولهم على هذا مع وضوح الدَّلائل، وهو من الإفك.
قوله :«أنَّى » بمعنى :«كيف »، وقد تقدم٣٢.
٢ ينظر تفسير القرطبي (١٨/٨١)..
٣ في أ: أكمل..
٤ أخرجه مسلم ٤/٢١٤ في صفات المنافقين (١-٢٧٧٢) من حديث زيد بن أرقم..
٥ ينظر: القرطبي (١٨/٨٢)..
٦ ينظر: الكشاف ٤/٥٤٠..
٧ ينظر: السبعة ٦٣٦، والحجة ٦/٢٩١، وإعراب القراءات ٢/٣٦٧، وحجة القراءات ٧٠٩، والعنوان ١٩١، وشرح شعلة ٦٠٣، وإتحاف ٢/٥٣٩..
٨ الكشاف ٤/٥٤٠..
٩ ينظر: الإملاء ٢/١٢٢٤..
١٠ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٨٢..
١١ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٣١٢، والبحر المحيط ٨/٢٦٨، والدر المصون ٦/٣٢٠..
١٢ ينظر الكشاف ٤/٥٤٠..
١٣ السابق..
١٤ ينظر: السابق، والدر المصون ٦/٣٢٠..
١٥ ينظر: الدر المصون ٦/٣٢٠..
١٦ ينظر: السابق، والكشاف ٤/٥٤٠..
١٧ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٨٢..
١٨ ينظر: الدر المصون ٦/٣٢٠، ٣٢١..
١٩ الكشاف ٤/٥٤١..
٢٠ ينظر: القرطبي ١٨/٨٢..
٢١ غير موجود في ديوان الأخطل وإنما هو لجرير بن عطية.
ينظر شرح ديوان جرير ص ٥٤٣، وكذا نسبه أبو حيان في البحر ٨/٢٦٨ ونسبه الزمخشري والقرطبي إلى الأخطل ينظر الكشاف ٤/١٠٩، وشرح شواهده ص ٥٠٥، والقرطبي ١٨/٨٢..
٢٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/٨٢)..
٢٣ ينظر تفسير ابن أبي حاتم مخطوط..
٢٤ ينظر: القرطبي (١٨/٨٢)..
٢٥ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/١٦) وينظر المصدر السابق..
٢٦ ينظر القرطبي ١٨/٨٢..
٢٧ المحرر الوجيز ٥/٣١٣..
٢٨ الدر المصون ٦/٣٢١..
٢٩ ينظر القرطبي ١٨/٨٢..
٣٠ ينظر المصدر السابق..
٣١ ينظر المصدر السابق..
٣٢ ينظر: القرطبي١٨/٨٢..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود