ﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺ

المعنى الجملي : وصف الله تعالى المنافقين بأوصاف هي منتهى الشناعة والقبح :
( ١ ) أنهم كذابون يقولون غير ما يعتقدون.
( ٢ ) أنهم لا يبالون بالحلف بالله كذبا، سترا لنفاقهم، وحقنا لدمائهم.
( ٣ ) أنهم جبناء، فهم على ضخامة أجسامهم، وفصاحة ألسنتهم، يظنون أن كل مناد ينادي إنما يقصدهم للإيقاع بهم.
تعجبك أجسامهم : أي لصباحتها وتناسب أعضائها، تسمع لقولهم : أي لفصاحتهم وحسن حديثهم، خشب : واحدها خشباء ؛ وهي الخشبة التي مخر جوفها، والصيحة : الصوت، قاتلهم الله : أي لعنهم وطردهم من رحمته، يؤفكون : أي يصرفون عما هم عليه.
ثم ذكر ما لهم من جمال في الصورة واعتدال في القوام فقال :
وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم أي لاستواء خلقهم، وجمال صورهم.
كما وصفهم بالفصاحة وذرابة اللسان فقال :
وإن يقولوا تسمع لقولهم لحلاوة منطقهم وحسن توقيع حديثهم فإذا سمعهم سامع أحب أن يصغي إليهم، وأن يطول حديثهم جهد الاستطاعة.
ثم وصفهم بأن أفئدتهم هواء لا عقول لهم ولا أحلام فقال :
كأنهم خشب مسندة أي هم أشباح بلا أرواح، لهم جمال في المنظر، وقبح في المخبر، فسدت بواطنهم، وحسنت ظواهرهم، فكانت كالخشب الجوفاء التي نخرها السوس، فهي مع حسنها لا ينتفع فيها بعمل، ولا يستفاد منها خير، ولله در أبي نواس :
لا تخدعنك اللحى ولا الصور *** تسعة أعشار من ترى بقر
تراهم كالسراب منتشرا *** وليس فيه لطالب مطر
في شجر السّرو منهم مثل *** له رواء وما له ثمر
ثم وصفهم بالجبن والذلة فقال :
يحسبون كل صيحة عليهم أي كلما نادى مناد في العسكر، أو انفلتت دابة أو نشدت ضالة- ظنوا أن العدو قد فجأهم، وأن أمرهم قد افتضح، وأنهم هالكون لا محالة، ولقد قالوا : يكاد المريب يقول خذوني، ويكاد السارق يقول إذا رأى القيد، ضعوه في يدي، لما ألقي من الرعب في قلوبهم، فهم يخافون أن تهتك أستارهم، وتكشف أسرارهم، ويتوقعون الإيقاع بهم ساعة فساعة.
ونحو الآية قوله تعالى : أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد [ الأحزاب : ١٩ ] وقد نظر المتنبي إلى الآية في قوله :
وضاقت الأرض حتى ظن هاربهم *** إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
هم العدو الذي بلغ الغاية في العداوة.
فاحذرهم ولا تأمنهم على سر، ولا تلتفت إلى ظاهرهم، فقلوبهم متحرقة حسدا وبغضا، وأعدى الأعداء العدو المداجي الذي يكاشرك ( يبتسم لك ) وتحت ضلوعه الداء الدوي، والشر المستطير.
ثم زاد سبحانه في ذمهم وتوبيخهم، وعجب من حالهم فقال :
قاتلهم الله أي لعنهم الله وطردهم من رحمته، فما أفظع حالهم، وما أشدهم غفلة عن مآلهم.
وهذا تعليم منه لعباده المؤمنين أن يلعنوهم، فكأنه قال : قولوا قاتلهم الله.
أنى يؤفكون أي كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل، وقد كان لهم مدّكر فيما حولهم، وفيما أمامهم من صدق الداعي بما أتى به من البينات الدالة على أنه مرسل من ربه.
وإن تعجب من شيء فاعجب من جهالتهم وظنهم الفاسد أنهم على الحق، فما أعظمها محنة، وأعجب بها نقمة، جازاهم الله بها على سوء أعمالهم، وقبح فعالهم.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير