ويَرْزُقه من حيثُ لا يحتسب أي : من وجوه لا تخطر بباله ولا بحسبه، ومَن يتوكل على الله أي : يكل أمرَه إليه من غير تعلُّق بغير، ولا تدبير نفس، فهو حَسْبُه ؛ كافيه في جميع أموره، إِنَّ الله بالغُ أَمْرِه ، بالإضافة في قراءة حفص، أي : منفذاً أمره، وبالتنوين والنصب عند غيره، أي : مبلغ ما يريد، لا يفوته مُراد، ولا يعجزه مطلوب. قد جعل اللهُ لكل شيءٍ قَدْراً ؛ تقديراً، أو توقيتاً، أو مقداراً معلوماً ووقتاً محدوداً، لا يتقدمه ولا يتأخر عنه، وهذا حث على التوكل وترغيب فيه، لأنَّ العبد إذا عَلِمَ أنَّ الأمور كلها بيد الله، من الرزق وغيره وأنَّ لها وقتاً محدوداً لا يُجاوزه، توكل عليه، وانجمع بكليته عليه، ولم يبقَ له إلاّ التسليم للقدَر السابق. قال ابن عطية : في الآية حض على التوكل، أي : لا بد من نفوذ أمر الله تعالى، توكلتَ أيها المرء أم لم تتوكل، فإنْ توكلتَ على الله كفاك، وتعجّلت الراحة والبركة، وإن لم تتوكل وَكَلَك إلى جحدك وتسخُّطك، وأمره نافذ في الوجهين. ه.
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في هذه التقوى : أن تكون ظاهرة وباطنة، ظاهرة من المعاصي، وباطنة من المساوئ والدعاوى، أمّا مَن طهَّر ظاهره من المعاصي، وسَدّ الأُفق بالدعاوى وإضافة التدبير والاختيار لنفسه، فلا يقوم خيره بِشَرِّه، أي : فلا يدخل في الآية. ثم قال : إلاّ مَن وَطَّن نفسه على الأرياح إلى أيّ وجهة تقلب، أي : دار مع رياح الأقدار حيث دارت، ولم يسكن إلى شيء، وكان ممن قال اللهُ فيه : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [ السجدة : ١٦ ]، أتراه منع جنوبَهم من مضاجع النوم، وترك قلوبهم مضجعة وساكنة لغيره، بل رفع قلوبهم عن كل شيء، ولا يضاجِعُون أسرارهم شيئاً، فافهم هذا المعنى، تتجافى جُنوبهم عن مضاجعة الاختيار ومنازعة الأقدار، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، فالخوف قَطَعَهم عن غيره، وبالشوق إليه أطمعهم فيه، ومما رزقناهم ينفقون. هـ. مختصراً.
وقوله تعالى : ويَرْزُقه من حيثُ لا يحتسبُ قال في الحاشية الفاسية : أي : يرزقه المقدَّر في الأزل من حيث لا مشقة عليه في وصوله إليه، فيأكل ويلبس من غير انتظار، ولا استشراف نفس، ولا تعب، فيخرج له من الغيب بالبديهة ما يكفيه عن السؤال، ومَن عَرَف اللهَ عَرَفه بكمال قدرته وإحاطة علمه بكل ذرة، فيلقي زمام الاختيار إليه، فيكفيه كل مؤنه في الدنيا والآخرة، وهو السميع العليم، وقد قال سهل : التقوى : التبري من الحول والقوة. هـ.
وقوله تعالى : ومَن يتوكل على الله فهو حَسْبه قال القشيري : فالله حاسبه، أي : كافيه. إِنَّ اللهَ بالغُ أَمْرِه ، إذا سَبَقَ له شيءٌ من التقدير، فلا محالةَ يكون، وفي التوكل لا يتغير المقدور ولا يتأخر، ولكنَّ المتوكل تكون ثقته بقلبه، غير كارهٍ لما يرد عليه، وهذا من أجَلِّ النعم. ثم قال في موضع آخر : التوكل : شهود نَفْسِك خارجاً من المِنَّة، جارياً عليك أحكام التقدير من غير تدبيرٍ منك ولا اطلاع لك على حُكمه، فسبيلُ العبد : الخمودُ والرضا دونَ استعلام الأمر. وفي الخبر :" أعوذ بالله من علم لا ينفع " ١. ومن جملته : أن يكون قد وقع لك شُغْلٌ، واستقبلك مُهمٌ، وقد اشتبه عليك وجهُ التدبير فيه، وتكون مُطالباً بالسُكون، فيطلبك العلم، وتتمنى أن تعرف متى يصلح هذا الأمر، وبأي سببٍ ؟ وعلى أي وجهٍ ؟ وعلى يد مَن ؟ فهذا كله تخليطٌ، وغير مُسلَّم شيءٌ من ذلك للأكابر، وهو مِن العلم الذي يجب التعوُّذ منه، فيجب عليك السكون والرضا، فإذا جاء وقتُ الكَشْف، فسترى صورة الحال وتعرفه، وربما ينظر العبدُ في هذه الحالة تعريفاً في المنام، أو ينظر في فال من الجامع ـ أي : ككتاب وشَبهه ـ أو يرجو بيان حاله، بأن يجري على لسان مستنطق في الوقت، كلُّ هذا تركُ للأدب، واللهُ لا يَرْضى بذلك من أوليائه، بل الواجبُ السكون. هـ.
وقال في القوت : والحسب إلى الحسيب يجعلُه ما شاء كيف شاء، فقد قيل : فهو حَسْبُه أي : التوكل حَسْبُه من سائر المقامات، ثم قال معرباً باللطافة، مسلياً للجماعة : إِنَّ الله بالغ أمره أي : منفذ حكمه فيمن توكل، ومَن لا يتوكل، إلاَّ أنّ مَن توكّل عليه يكون الله ـ عزّ وجل ـ حَسبه، أي : يكفيه أيضاً مُهِم الدنيا والآخرة، ولا يزيد مَن لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسْمه، كما لا ينقص عليه ذرة من رزقه، لكن يزيد مَن توكل عليه هُدىً إلى هداه، ويرفعه مقاماً في اليقين قدر تقواه، ويُعزّه بعزّه، وينقص مَن لم يتوكل عليه من اليقين، ويزيده من التعب والهم، ويُشتت قلبَه، ويشغل فكرَه، فالمتوكل عليه يُجب له تكفير السيئات، ويُلقي عليه رضاه ومحبته في المقامات، أمّا الكفاية فقد ضَمِنها تعالى لِمن صدق في توكله عليه، والوقاية قد وهبها لمَن أحسن تفويضه إليه، إلاّ أنّ الاختيار وعلم الاستتار إليه في الكفاية والوقاية، يجعل ذلك ما يشاء كيف شاء، وأين شاء، من أمور الدنيا وأمور الآخرة، من حيث يعلم العبد، ومن حيث لا يعلم ؛ لأنَّ العبد تجري عليه الأحكام في الدارين، وفقير محتاج إلى الرحمة واللطف في المكانين. هـ.
الإشارة : ومَن يتق الله التقوى الكاملة، يجعل له من كمل مُشْكل وشُبهة ومتشابه مَخرجاً، فيَنحلّ له كل ما أشكل على الناس في أمر الدين والدنيا، ويرزقه من العلوم والأسرار والمعارف، ما لا يخطر على بال، من حيث لا يحتسب، من غير تعلُّم ولا مدارسة، وقال القشيري : إذا صَدَقَ العبدُ في تقواه أخرجه من أشغاله، كالشعرة من العجين، لا يتعلق بها شيء، يضرب على المتقِي سرادقات عنايته، ويُدخله في كنف الإيواء ويصرف الأشغال، عن قلبه، ويُخرجه عن تدبيره، ويُجرده عن كل شغل، ويكفيه كل أمر، وينقله إلى شهود قضاء تقديره. هـ.
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في هذه التقوى : أن تكون ظاهرة وباطنة، ظاهرة من المعاصي، وباطنة من المساوئ والدعاوى، أمّا مَن طهَّر ظاهره من المعاصي، وسَدّ الأُفق بالدعاوى وإضافة التدبير والاختيار لنفسه، فلا يقوم خيره بِشَرِّه، أي : فلا يدخل في الآية. ثم قال : إلاّ مَن وَطَّن نفسه على الأرياح إلى أيّ وجهة تقلب، أي : دار مع رياح الأقدار حيث دارت، ولم يسكن إلى شيء، وكان ممن قال اللهُ فيه : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [ السجدة : ١٦ ]، أتراه منع جنوبَهم من مضاجع النوم، وترك قلوبهم مضجعة وساكنة لغيره، بل رفع قلوبهم عن كل شيء، ولا يضاجِعُون أسرارهم شيئاً، فافهم هذا المعنى، تتجافى جُنوبهم عن مضاجعة الاختيار ومنازعة الأقدار، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، فالخوف قَطَعَهم عن غيره، وبالشوق إليه أطمعهم فيه، ومما رزقناهم ينفقون. هـ. مختصراً.
وقوله تعالى : ويَرْزُقه من حيثُ لا يحتسبُ قال في الحاشية الفاسية : أي : يرزقه المقدَّر في الأزل من حيث لا مشقة عليه في وصوله إليه، فيأكل ويلبس من غير انتظار، ولا استشراف نفس، ولا تعب، فيخرج له من الغيب بالبديهة ما يكفيه عن السؤال، ومَن عَرَف اللهَ عَرَفه بكمال قدرته وإحاطة علمه بكل ذرة، فيلقي زمام الاختيار إليه، فيكفيه كل مؤنه في الدنيا والآخرة، وهو السميع العليم، وقد قال سهل : التقوى : التبري من الحول والقوة. هـ.
وقوله تعالى : ومَن يتوكل على الله فهو حَسْبه قال القشيري : فالله حاسبه، أي : كافيه. إِنَّ اللهَ بالغُ أَمْرِه ، إذا سَبَقَ له شيءٌ من التقدير، فلا محالةَ يكون، وفي التوكل لا يتغير المقدور ولا يتأخر، ولكنَّ المتوكل تكون ثقته بقلبه، غير كارهٍ لما يرد عليه، وهذا من أجَلِّ النعم. ثم قال في موضع آخر : التوكل : شهود نَفْسِك خارجاً من المِنَّة، جارياً عليك أحكام التقدير من غير تدبيرٍ منك ولا اطلاع لك على حُكمه، فسبيلُ العبد : الخمودُ والرضا دونَ استعلام الأمر. وفي الخبر :" أعوذ بالله من علم لا ينفع " ١. ومن جملته : أن يكون قد وقع لك شُغْلٌ، واستقبلك مُهمٌ، وقد اشتبه عليك وجهُ التدبير فيه، وتكون مُطالباً بالسُكون، فيطلبك العلم، وتتمنى أن تعرف متى يصلح هذا الأمر، وبأي سببٍ ؟ وعلى أي وجهٍ ؟ وعلى يد مَن ؟ فهذا كله تخليطٌ، وغير مُسلَّم شيءٌ من ذلك للأكابر، وهو مِن العلم الذي يجب التعوُّذ منه، فيجب عليك السكون والرضا، فإذا جاء وقتُ الكَشْف، فسترى صورة الحال وتعرفه، وربما ينظر العبدُ في هذه الحالة تعريفاً في المنام، أو ينظر في فال من الجامع ـ أي : ككتاب وشَبهه ـ أو يرجو بيان حاله، بأن يجري على لسان مستنطق في الوقت، كلُّ هذا تركُ للأدب، واللهُ لا يَرْضى بذلك من أوليائه، بل الواجبُ السكون. هـ.
وقال في القوت : والحسب إلى الحسيب يجعلُه ما شاء كيف شاء، فقد قيل : فهو حَسْبُه أي : التوكل حَسْبُه من سائر المقامات، ثم قال معرباً باللطافة، مسلياً للجماعة : إِنَّ الله بالغ أمره أي : منفذ حكمه فيمن توكل، ومَن لا يتوكل، إلاَّ أنّ مَن توكّل عليه يكون الله ـ عزّ وجل ـ حَسبه، أي : يكفيه أيضاً مُهِم الدنيا والآخرة، ولا يزيد مَن لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسْمه، كما لا ينقص عليه ذرة من رزقه، لكن يزيد مَن توكل عليه هُدىً إلى هداه، ويرفعه مقاماً في اليقين قدر تقواه، ويُعزّه بعزّه، وينقص مَن لم يتوكل عليه من اليقين، ويزيده من التعب والهم، ويُشتت قلبَه، ويشغل فكرَه، فالمتوكل عليه يُجب له تكفير السيئات، ويُلقي عليه رضاه ومحبته في المقامات، أمّا الكفاية فقد ضَمِنها تعالى لِمن صدق في توكله عليه، والوقاية قد وهبها لمَن أحسن تفويضه إليه، إلاّ أنّ الاختيار وعلم الاستتار إليه في الكفاية والوقاية، يجعل ذلك ما يشاء كيف شاء، وأين شاء، من أمور الدنيا وأمور الآخرة، من حيث يعلم العبد، ومن حيث لا يعلم ؛ لأنَّ العبد تجري عليه الأحكام في الدارين، وفقير محتاج إلى الرحمة واللطف في المكانين. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي