المعنى الجملي : بعد أن أمر سبحانه بإيقاع الطلاق واحدة فواحدة، ومنع الخروج من المنزل والإخراج منه إلا إذا أتين بفاحشة مبينة، ونهى عن تعدي تلك الحدود حتى لا يحصل الضرر والندم، خيَّر الرجل إذا شارفت عدة امرأته على الانتهاء بين أمرين :
( ١ ) إما أن يراجعها ويعاشرها بإحسان.
( ٢ ) وإما أن يفارقها مع أداء حقوقها التي لها مع التفضل والإكرام.
فإذا اختار الرجعة فليشهد على ذلك شاهدين عدلين قطعا للنزاع، ودفعا لريبة.
ثم أبان أن هذه الأحكام إنما شرعت للفائدة والمصلحة. وأرشد إلى أن تقوى الله تفتح السبل للمرء وتخرجه من كل ضيق، وتهديه إلى الطريق المستقيم في دينه ودنياه، وأن من يتوكل على ربه، يكفيه ما أهمه، ويفرّج عنه كربه.
ثم ذكر أن أمور الحياة جميعا بقضاء الله وقدره، فلا يجزع المؤمن مما يصيبه من النوائب، ولا يفرح ويبطر بما يناله من خيراتها.
تفسير المفردات :
بالغ أمره : أي منفذ حكمه وقضاءه في خلقه يفعل ما يشاء، قدرا : أي تقديرا وتوقيتا.
ومن يتق الله يجعل له مخرجا* ويرزقه من حيث لا يحتسب أي ومن يخشى الله فلا يطلق المرأة في الحيض حتى لا تطول عدتها ولا يضار المعتدة فلا يخرجها من مسكنها، ويحتاط بالاشهاد حين الرجعة- يجعل الله له مخلصا مما عسى أن يقع فيه من الغم ويفرج عنه ما يعتريه من الكرب، ويرزقه من جهة لا تخطر بباله ولا يحتسبها.
والخلاصة : من اتقى الله جعل له مخلصا من غمّ الدنيا وهمّ الآخرة وغمرات الموت وشدائد يوم القيامة.
روي عن ابن عباس أنه قال : جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن ابني أسره العدو وجزعت أمه، فبم تأمرني ؟ قال :( آمرك وإياها أن تستكثرا من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله ) فقالت المرأة : نِعمَ ما أمرك، فجعلا يكثران منها، فتغفل عنه العدو فاستاق غنمهم فجاء بها إلى أبيه، فنزلت هذه الآية. أخرجه ابن مردويه.
وفي الآية إيماء إلى أن التقوى مِلاك الأمر عند الله، وبها نيطت السعادة في الدارين وإلى أن الطلاق من الأمور التي تحتاج إلى فضل تقوى، إذ هو أبغض الحلال إلى الله لما يتضمنه من إيحاش الزوجة وقطع الألفة بينها وبين زوجها، ولما في الاحتياط في العدة من المحافظة على الأنساب وهي من أجل مقاصد الدين، ومن ثم شدد في إحصاء العدة حتى لا تختلط ويكون أمرها فوضى.
وروي عن ابن مسعود أنه قال : إن أجمع آية في القرآن : إن الله يأمر بالعدل والإحسان [ النحل : ٩٠ ] وإن أكبر آية في القرآن فرجا : ومن يتق الله يجعل له مخرجا .
ومن يتوكل على الله فهو حسبه أي ومن يكل أمره إلى الله ويفوض إليه الخلاص منه- كفاه ما أهمه في دنياه ودينه، والمراد بذلك أن العبد يأخذ في الأسباب التي جعلها الله من سننه في هذه الحياة، ويؤديها على أمثل الطرق، ثم يكل أمره إلى الله فيما لا يعلمه من أسباب لا يستطيع الوصول إلى علمها، وليس المراد أن يلقى الأمور على عواهنها، ويترك السعي والعمل ويفوض الأمر إلى الله، فما بهذا أمر الدين بدليل قوله تعالى : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل [ الأنفال : ٦٠ ]. وقوله صلى الله عليه وسلم :( اعقلها وتوكل ) إلى نحو ذلك مما هو مستفيض في الكتاب والسنة.
وروي عن ابن عباس أنه ركب خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا غلام إني معلمك كلمات : احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك، لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف ).
ثم ذكر السبب في وجوب التوكل عليه فقال :
إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا أي إن الله تعالى منفذ أحكامه في خلقه بما يشاء، وقد جعل لكل شيء مقدارا ووقتا، فلا تحزن أيها المؤمن إذا فاتك شيء مما كنت تؤمل وترجو، فالأمور مرهونة بأوقاتها، ومقدرة بمقادير خاصة كما قال : وكل شيء عنده بمقدار [ الرعد : ٨ ].
تفسير المراغي
المراغي