لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ فيه الأمر لأهل السعة بأن يوسعوا على المرضعات من نسائهم على قدر سعتهم وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أي كان رزقه بمقدار القوت، أو مضيق ليس بموسع فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءاتَاهُ الله أي مما أعطاه من الرزق ليس عليه غير ذلك لاَ يُكَلّفُ الله نَفْساً إِلاَّ مَا ءاتَاهَا أي ما أعطاها من الرزق، فلا يكلف الفقير بأن ينفق ما ليس في وسعه، بل عليه ما يقدر عليه وتبلغ إليه طاقته مما أعطاه الله من الرزق سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً أي بعد ضيق وشدّة سعة وغنى.
وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : مّن وُجْدِكُمْ قال : من سعتكم وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيّقُواْ عَلَيْهِنَّ قال في المسكن. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله : وَإِن كُنَّ أولات حَمْلٍ الآية، قال : فهذه في المرأة يطلقها زوجها، وهي حامل، فأمره الله أن يسكنها وينفق عليها حتى تضع، وإن أرضعت حتى تفطم، فإن أبان طلاقها وليس بها حمل، فلها السكنى حتى تنقضي عدّتها ولا نفقة لها. وأخرج عبد بن حميد عن أبي سنان قال : سأل عمر بن الخطاب عن أبي عبيدة، فقيل : إنه يلبس الغليظ من الثياب، ويأكل أخشن الطعام، فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول : انظر ماذا يصنع بها إذا أخذها ؟ فما لبث أن لبس ألين الثياب، وأكل أطيب الطعام، فجاء الرسول، فأخبره، فقال : رحمه الله تأوّل هذه الآية لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءاتَاهُ الله .
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني