ملاحظة :
يلاحظ في وصف النساء اللائي سيعوّض الرسول صلى الله عليه وسلم بهن إذا طلّق نساءه، أنه بدأ في وصفهن بالإسلام وهو الانقياد، ثم بالإيمان وهو التصديق، ثم بالقنوت وهو الطواعية، ثم بالتوبة وهي لإقلاع عن الذنب، ثم بالعبادة وهي التلذذ بالمناجاة لله، ثم بالسياحة وهي كناية عن الصوم أو الهجرة، وأما الثيوبة والبكارة فلا يجتمعان في امرأة واحدة، لذا عطف أحدهما على الآخر، ولو لم يأت بالواو لاختل المعنى، وذكر الجنسين لأن في أزواجه صلى الله عليه وسلم من تزوجها بكرا كعائشة، وفيهن الثياب وهن بقية نسائه صلى الله عليه وسلم.
تمهيد :
كان صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاة العصر دخل على نسائه، يمكث عند زينب بنت جحش، فيشرب عندها عسلا، فتواطأت عائشة وحفصة، إذا دخل صلى الله عليه وسلم على إحداهما أن تقول له : أشم منك رائحة المغافير، فهل أكلت مغافير ؟ ( وهو نبت صمغ حلو، له رائحة كريهة من شجر العُرْفُط في الحجاز ).
فقال صلى الله عليه وسلم :" لا، بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعوذ إليه، وقد حلفْتُ ".
وقال لحفصة :" لا تخبري بذلك أحدا "، فأخبرت به عائشة رضي الله عنهما. وقد روى ذلك البخاري ومسلم.
وقيل : حرّم النبي صلى الله عليه وسلم مارية القبطية على نفسه، وهذا القول، وإن قرب من حيث المعنى، إلا أنه لم يدوّن في صحيح ولا نقله عدل، كما ورد ذلك في أحكام القرآن.
وقد ذكر البخاري، عن عمر أنه وعظ نساء النبي صلى الله عليه وسلم واحدة واحدة، ينهاهن عن إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم، ويهددهن أن يبدله الله خيرا منهن، فقالت له زينب، يا ابن الخطاب، أما في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت، فأمسك عمر، فأنزل الله : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ... ( التحريم : ٥ ).
المفردات :
بعض أزواجه : هي حفصة على المشهور.
نبّأت به : أخبرت به عائشة.
أظهره : أطلعه وأعلمه قول حفصة لعائشة.
عرّف : أعلمها ببعض الحديث الذي أفشته.
وأعرض عن بعض : لم يخبرها به.
التفسير :
٣- وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ .
كانت حفصة رضي الله عنها في زيارة أبيها، ولما جاءت مارية القبطية من عوالي المدينة، خلا بها النبي صلى الله عليه وسلم في غرفة حفصة، وانتظرت حفصة حتى خرجت مارية، وتألمت من دخول مارية غرفتها، فحرّم النبي صلى الله عليه وسلم مارية على نفسه، وأخبر حفصة بذلك، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من عندها، أخبرت عائشة بذلك، ولم تستطع من شدة سرورها بتحريم مارية أن تكتم الخبر فأخبرت به عائشة، وطلبت منها أن تكتم الأمر، أو كان الأمر هو تحريم العسل.
ومعنى الآية :
وإذ قال النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة : إني حرّمت العسل على نفسي، أو حرمت مارية على نفسي، واكتمي هذا الخبر، لكن حفصة أخبرت به عائشة، وأعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بما حَدَثَ.
فلما عاتب النبي صلى الله عليه وسلم حفصة، وأخبرها بما فعلت، قالت له : من أين علمت بذلك ؟ فأفادها أن الذي أخبره بذلك هو الْعَلِيمُ. بسائر أحوال الناس، الْخَبِيرُ. بكل شيء في الوجود.
وفي ذلك دعوة للناس جميعا إلى مراقبة الله تعالى، ودعوة لزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ترك التآمر والمكايدات المحبوكة وراء الأستار، والتفرُّع بالقلوب إلى مراقبة الله تعالى، وذكره وشكره والالتجاء إليه.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة