وَإِذَ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أزواجه حَدِيثاً قال أكثر المفسرين : هي حفصة كما سبق، والحديث هو تحريم مارية، أو العسل، أو تحريم التي وهبت نفسها له، والعامل في الظرف فعل مقدّر : أي واذكر إذ أسرّ. وقال الكلبي : أسرّ إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتي على أمتي من بعدي فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ أي أخبرت به غيرها وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ أي أطلع الله نبيه على ذلك الواقع منها من الإخبار لغيرها عَرَّفَ بَعْضَهُ أي عرّف حفصة بعض ما أخبرت به. قرأ الجمهور : عرّف مشدّداً من التعريف، وقرأ عليّ وطلحة بن مصرف وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وقتادة والكسائي بالتخفيف. واختار أبو عبيد وأبو حاتم القراءة الأولى لقوله : وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ أي لم يعرّفها إياه، ولو كان مخففاً لقال في ضدّه : وأنكر بعضاً وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ أي وأعرض عن تعريف بعض ذلك كراهة أن ينتشر في الناس، وقيل : الذي أعرض عنه هو حديث مارية. وللمفسرين ها هنا خبط وخلط، وكلّ جماعة منهم ذهبوا إلى تفسير التعريف والإعراض بما يطابق بعض ما ورد في سبب النزول، وسنوضح لك ذلك إن شاء الله فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ أي أخبرها بما أفشت من الحديث قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هذا أي من أخبرك به قَالَ نَبَّأَنِيَ العليم الخبير أي أخبرني الذي لا يخفى عليه خافية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البخاري وغيره عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها لبناً أو عسلاً، فتواصيت أنا وحفصة إن أيتنا دخل عليها النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلتقل إني أجد منك ريح مغافير، فدخل على إحداهما فقالت ذلك له، فقال :«لا بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود»، فنزلت : يا أيها النبي لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ إلى قوله : إِن تَتُوبَا إِلَى الله لعائشة وحفصة وَإِذَ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أزواجه حَدِيثاً لقوله :«بل شربت عسلاً». وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه قال السيوطي بسندٍ صحيح عن ابن عباس قال :«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب من شراب عند سودة من العسل، فدخل على عائشة فقالت : إني أجد منك ريحاً، فدخل على حفصة، فقالت : إني أجد منك ريحاً، فقال :«أراه من شراب شربته عند سودة، والله لا أشربه أبداً»، فأنزل الله : يا أيها النبي لِمَ تُحَرّمُ الآية». وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن رافع قال : سألت أمّ سلمة عن هذه الآية يا أيها النبي لِمَ تُحَرّمُ قالت : كانت عندي عكة من عسل أبيض، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يلعق منها، وكان يحبه. فقالت له عائشة : نحلها تجرس عرفطاً فحرّمها، فنزلت الآية. وأخرج النسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها، فلم تزل عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراماً، فأنزل الله هذه الآية يا أيها النبي لِمَ تُحَرّمُ وأخرج البزار والطبراني قال السيوطي : بسندٍ صحيح عن ابن عباس قال : قلت لعمر بن الخطاب : من المرأتان اللتان تظاهرتا ؟ قال : عائشة وحفصة، وكان بدو الحديث في شأن مارية القبطية أمّ إبراهيم أصابها النبيّ صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة في يومها، فوجدت حفصة فقالت : يا رسول الله لقد جئت إليّ بشيء ما جئته إلى أحد من أزواجك في يومي وفي دوري على فراشي، قال :«ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها أبداً ؟ قالت : بلى فحرّمها وقال : لا تذكري ذلك لأحد، فذكرته لعائشة فأظهره الله عليه، فأنزل الله : يا أيها النبي لِمَ تُحَرّمُ الآيات كله»ا، فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَفّر عن يمينه وأصاب مارية. وأخرجه ابن سعد وابن مردويه عنه بأطول من هذا. وأخرجه ابن مردويه أيضاً من وجه آخر عنه بأخصر منه، وأخرجه ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عنه مختصراً بلفظ قال : حرّم سريته وجعل ذلك سبب النزول في جميع ما روي عنه من هذه الطرق، وأخرج الهيثم بن كليب في مسنده، والضياء المقدسي في المختارة من طريق نافع عن ابن عمر قال : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لحفصة :«لا تحدّثي أحداً، وإن أمّ إبراهيم عليّ حرام، فقالت : أتحرّم ما أحلّ الله لك ؟ قال : فوالله لا أقربها، فلم يقربها حتى أخبرت عائشة، فأنزل الله : قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم ». وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن أبي هريرة أن سبب نزول الآية تحريم مارية كما سلف، وسنده ضعيف. فهذان سببان صحيحان لنزول الآية، والجمع ممكن بوقوع القصتين : قصة العسل، وقصة مارية، وأن القرآن نزل فيهما جميعاً، وفي كل واحد منهما أنه أسرّ الحديث إلى بعض أزواجه، وأما ما قيل : من أن السبب هو تحريم المرأة التي وهبت نفسها، فليس في ذلك إلاّ ما روى ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية : يا أيها النبي لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ في المرأة التي وهبت نفسها للنبيّ صلى الله عليه وسلم. قال السيوطي : وسنده ضعيف. ويردّ هذا أيضاً أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقبل تلك الواهبة لنفسها، فكيف يصحّ أن يقال : إنه نزل في شأنها يا أيها النبي لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ ؟ فإن من ردّ ما وهب له لم يصحّ أن يقال : إنه حرّمه على نفسه، وأيضاً لا ينطبق على هذا السبب قوله : وَإِذَ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أزواجه حَدِيثاً إلى آخر ما حكاه الله. وأما ما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن ابن عباس سأل عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره أنهما عائشة وحفصة، ثم ذكر قصة الإيلاء كما في الحديث الطويل، فليس في هذا نفي لكون السبب هو ما قدّمنا من قصة العسل وقصة السرية، لأنه إنما أخبره بالمتظاهرتين، وذكر فيه أن أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم يراجعنه وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل، وأن ذلك سبب الاعتزال لا سبب نزول يا أيها النبي لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ . ويؤيد هذا ما قدّمنا عن ابن عباس أنه قال لعمر : من المرأتان اللتان تظاهرتا ؟ فأخبره بأنهما حفصة وعائشة، وبيّن له أن السبب قصة مارية. هذا ما تيسر من تلخيص سبب نزول الآية، ودفع الاختلاف في شأنه فاشدد عليه يديك لتنجو به من الخبط والخلط الذي وقع للمفسرين. وأخرج عبد الرزاق والبخاري وابن مردويه عن ابن عباس قال : في الحرام يكفِّر، وقال : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : ٢١ ]. وأخرج ابن المنذر والطبراني والحاكم وابن مردويه عنه أنه جاءه رجل، فقال : إني جعلت امرأتي عليّ حراماً، فقال : كذبت ليست عليك بحرام، ثم تلا لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ قال : عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة. وأخرج الحارث بن أبي أسامة عن عائشة قالت :«لما حلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح، فأنزل الله : قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم فأحلّ يمينه وأنفق عليه». وأخرج ابن عديّ وابن عساكر عن عائشة في قوله : وَإِذَ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أزواجه حَدِيثاً قالت : أسرّ إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي. وأخرج ابن عديّ وأبو نعيم في الصحابة والعشاري في فضائل الصدّيق وابن مردويه وابن عساكر من طرق عن عليّ وابن عباس قال : والله إن إمارة أبي بكر وعمر لفي الكتاب وَإِذَ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أزواجه حَدِيثاً قال لحفصة : أبوك وأبو عائشة واليا الناس بعدي، فإياك أن تخبري أحداً بهذا. قلت : وهذا ليس فيه أنه سبب نزول قوله : يا أيها النبي لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ بل فيه أن الحديث الذي أسرّه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو هذا. فعلى فرض أن له إسناداً يصلح للاعتبار هو معارض بما سبق من تلك الروايات الصحيحة، وهي مقدّمة عليه ومرجحة بالنسبة إليه. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا قال : زاغت وأثمت. وأخرج ابن المنذر عنه قال : مالت. وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن بريدة عن أبيه في قوله : وصالح الْمُؤْمِنِينَ قال : أبو بكر وعمر. وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود مثله. وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في فضائل الصحابة من وجه آخر عنه مثله. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر وابن عباس مثله. وأخرج الحاكم عن أبي أمامة مرفوعاً مثله. وأخرج ابن أبي حاتم. قال السيوطي بسندٍ ضعيف عن عليّ مرفوعاً قال : هو عليّ بن أبي طالب. وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :« وصالح الْمُؤْمِنِينَ عليّ بن أبي طالب». وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس في قوله : وصالح الْمُؤْمِنِينَ قال : هو عليّ بن أبي طالب. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن بريدة في قوله : ثيبات وَأَبْكَاراً قال : وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه أن يزوّجه بالثيب آسية امرأة فرعون، وبالبكر مريم بنت عمران.