ﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦ

الذي خلق الموت والحياة الموصول مرفوع إما أنه بدل من الموصول السابق، وإما خبر مبتدأ محذوف، أي هو، أو منصوب على المدح. والحياة من صفات الله تعالى، وهي صفة تستتبع العلم والقدرة والإرادة وغيرها من صفات الكمال. وقد استودعها الله تعالى في الممكنات، وخلقها فيها على حسب إرادته واستعداداتها، فظهرت في الممكنات على مراتب شتى، ظهرت في بعضها بحيث تستتبع المعرفة التي لا كيف لها بذات الله تعالى وصفاته، وهي الأمانة التي حملها الإنسان وأشفقن منها السموات والأرض والجبال، وذلك بإلقاء نور من الله تعالى، وهذا القسم من الحياة وما يقابلها من الموت المستفاد من قوله تعالى : أو من كان ميتا فأحييناه (١) وقوله عليه الصلاة والسلام :( إن الله خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصاب من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول جف القلم على علم الله ) (٢) رواه أحمد والترمذي. وفي بعضها بحيث يستتبع الألحس والحركة الحيوانية المعبر عنها وعما يقابلها بقوله تعالى : كنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم (٣) وفي بعضها لتستتبع النمو فقط المعبر عنها وعما يقابلها بقوله تعالى : يحي الأرض بعد موتها (٤) أي يحيي نبات الأرض بعد يبسها وذلك القسمين من الحياة ينضج الروح الإنسان والحيواني و النباتي في الأجسام. وليس شيء من الأقسام الثلاثة المذكورة للحياة في الجمادات، ولذا قال الله تعالى في حق الأصنام : أموات غير أحياء (٥) ولكن الجمادات أيضا لا تخلو عن نوع من الحياة، كما في قوله تعالى : وإن منها لما يهبط من خشية الله (٦) وقد مر تفسيره في سورة البقرة، وهذا النوع من الحياة لازم للوجود، وقال الله تعالى : وإن من شيء إلا يسبح بحمده (٧) والموت في كل مرتبة من المراتب المذكورة عبارة عن عدم الحياة أو مطلقا أو عدم الحياة عما من شأنه أن يكون حيا، فالتقابل بينهما إما تقابل العدم والملكة أو الإيجاب والسلب، فهي صفته عدمية مقتضاة الحقيقة الممكن مقدمة على الحياة المستودعة من الله سبحانه، كما يدل عليه ما تلونا من قوله تعالى : أو من كان ميتا فأحييناه وقوله تعالى : كنتم أمواتا فأحياكم و يحي الأرض بعد موتها وقوله تعالى : كن فيكون . ولأجل تقدم الموت على الحياة في كل مرتبة طبعا، قدمت هاهنا على الحياة ذكرا أو لأن أفرغ فتقدميها في الذكر مع الابتداء الأليق. وقال بعض العلماء : الموت صفة وجودية والتقابل بالتضاد، فهي كيفية في الإجشام، مانعة من العلم والقدرة والحس والحركة ونحوها، مستدلين بهذه الآية. فإن خلق الموت يقتضي وجوده، والإدام الأصلية غير مخلوقة قلنا بديهة العقل شاهدة أنا لا نجد في الأموات أمرا منضما إلى ذواتها، بل أمرا انتزاعيا ينتزع منها، كما ينتزع العمى من الأعمى، وبصيرة الكسف حاكمة بأن الصات الله تعالى نقايض متمايزة في مرتبة العلم. فنقيض الحياة الموت، ونقيض العلم الجهل، ونقيض القدرة العجز، ونقيض البصر العمى، وهكذا هي أعدام أصلية تقررت في مرتبة العلم بالإضافة إلى نقائضها، وبصبغ الله سبحانه وكمال قدرته انصبغت تلك الأعدام في تلك المرتبة بصبغ نقائضها التي هي صفات الكمال، وتلك مخلوطة في مرتبة العلم سميت أعيانا ثابتة، وانصباغها في تلك المرتبة بصبغ الوجود هو الكون الأول، أو السبب للكون في الخارج كما ذكرنا في تفسير قوله تعالى : كن فيكون (٨) في سورة البقرة. فالأعيان الثابتة ظلال للصفات، والممكنات في الخارج الظلي ظلال لها، ومعنى كون الممكنات ظلال لها، أن إفاضة الوجود وتوابعه من المبدأ الفياض على الممكنات الموجودة في الخارج، ليست إلا بتوسط تلك الأعيان الثابتة. كما أن نور المصباح الذي في الزجاجة ينبسط على الأشياء بتوسط الزجاجة، وأشير إلى ذلك في تفسير قوله تعالى : مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة (٩).
ثم اعلم أن توسط الأعيان الثابتة بين الصفات والممكنات إنما هو في دار الدنيا، وأما في الآخرة فسيكون إفاضة الوجود وتوابعه من الصفات بلا توسط الأعيان، وهذا هو الوجه لطويان الفناء على الممكنات في الدنيا، في الآخرة آيات القرآن أعني قوله تعالى : كنتم أمواتا فأحياكم (١٠) وقوله تعالى : أو من كان ميتا فأحييناه (١١) وأمثالها ناطقة بأن الموت صفة للمكن مقدمة على الإيجاد فتأويل قوله تعالى : خلق الموت أي أظهره بإيجاد الحياة، أو أظهره بإزالة الحياة، أو خلق الأموات بحيث ينتزع منها عداء الحياة. والخلق بمعنى التقدير أي قدر الموت والحياة، قال البغوي قال عطاء، ابن عباس : يريد خلق الموت في الدنيا والحياة في الآخرة، قلت لعله أراد أنه تعالى عبر الحياة الدنيوية بالموت والحياة الأخروية بالحياة، قلت وذلك لما قلنا من كون الأعيان الثابتة مربيات لها في الدنيا، وكون الأعدام داخلة في ماهياتها فكان الحياة الدنيا لا يخلو من شائبة الموت، ويصدق أن يقع إنك ميت وإنهم ميتون (١٢) أي في الحال وكذا كل من عليها فان٢٦ (١٣) و كل شيء هالك (١٤) فإن الحقيقة في المشتق هو المعنى الحال وما كان أو ما يؤل فهو مجازي والله تعالى أعلم. وذهب جماعة إلى أن الموت جسم ليس بعرض، وأنه مخلوق في صورة كبش أملح، والحياة في صورة فرس أنثى، واختاره السيوطي في بدور السافرة. ومبنى هذا القول ما ذكر البغوي أثر ابن عباس في تفسير هذه الآية قال : خلق الموت في صورة كبش أملح، لا يمر بشيء ولا يجد ريحه شيء إلا مات، وخلق القياس في صورة بلقاء أنثى، وهي التي كان جبرائيل والأنبياء يركبونها، لا يمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، هي التي أخذ السامري قبضة من أثرها فألقاها في العجل فحيي. قلت : وهذا الأثر لا يدل على أن الموت جسم ليس بعرض وكذا الحياة، بل يدل على أن من المخلوقات جسم على صورة كبش أملح يقال لها الموت، وجسم على صورة فرس يقال لها الحياة، لا يمران بشيء ولا يجد ريحها إلا مات بالأولى وحيي بالثانية. فالموت والحياة في الحيوان ليس نفس ذلك الجسم، بل أثر يترتب على مرورها ووجدان ريحها كما يترتب على اقتراب السموم، ونحو ذلك وما ورد في الصحيحين عن ابن عمر قال قال نبي صلى الله عليه وسلم : إذا صار أهل النار إلى النار جيء بالموت حتى جعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادي مناد يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار ولا موت فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم ) (١٥) وفيهما عن ابن سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ) الحديث إلى قوله : فيؤمر به فيذبح الخ، وأخرج الحاكم وصححه وابن حبان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يؤتى بالموت في صورة كبش أملح ) الخ نحوه، فمذهب السلف الوقوف عن الخوض في معناه، والإيمان به وتفويض علمه إلى الله تعالى، كما في سائر المتشابهات، كذا نقل السيوطي عن الحكيم الترمذي. والصوفية العلية لما ظهر لهم من العوالم عالم المثال، وفيه مثال لكل جوهر وعرض، بل للمجردات أيضا، بل لله سبحانه أيضا مع كونه متعال عن الشبه والمثال، ذلك هو المحل لحديث ( رأيت أبي على صورة أمر شاب قطط في رجله نعلا الذهب )(١٦).
وقد تنتقل الصورة المثالية من عالم المثال إلى عالم الشهادة بكمال قدرته تعالى، وقد اشتهر ذلك كرامة عن كثير من الأولياء، ولعل الله تعالى يحضر الصورة المثالية للموت من عالم المثال في الآخرة إلى عالم الشهادة، فيؤمر بذبحه حتى يظهر لأهل الجنة والنار أنه خلود ولا موت. وهكذا التأويل في حشر الإسلام والإيمان والقرآن والأعمال والأمانة والرحم وأيام الدنيا، كما نطقت به الأحاديث الصحيحة التي لا يسع ذكرها المقام، قال السيوطي في البدور السافرة : الأعمال والمعاني كلها مخلوقة ولها صورة عند الله تعالى، وإنا كنا لا نشاهدها، وقد نص أرباب الحقيقة على أن من أنواع الكشف الوقوف على حقائق المعاني وإدراك صورها بصورة الأجسام، والأحاديث شاهدة لذلك وهي كثيرة. انتهى هذا القول من السيوطي حكاية عن عالم المثال والله تعالى أعلم. ليبلوكم أي ليعاملكم معاملة مختبر بالتكليف أيها المكلفون أيكم أحسن عملا الجملة مفعول ثان ليبلوكم يتضمن معنى يعلم، وليس هذا من التعليق لتقدم لمفعول الأولى على الاستفهام، ولو كان تعليقا لتقدم الاستفهام عليه، وقال الفراء : لم يوقع البلوى على أي ويليها إضمار، كما يقول : بلوتكم لأنظر أيكم أطوع، قال البغوي : روي عن ابن عمر مرفوعا أحسن عملا أحسن عقلا وأورع من محارم الله وأسرع في طاعة الله. وقوله تعالى : ليبلوكم متعلق بخلق المو والحياة، يعني الحكمة في خلق الموت والحياة ظهور المطيع من العاصي، فإن الحياة مدار التكليف به تحصيل القدرة الممكنة، والموت واعظ به يتعظ الزكي ومغتنم الفرصة لكسب الزاد للمعاد. وانقلاب الأحوال من الحياة والممات دليل على وجود الصانع الحكيم المختار، وعن عمار بن ياسر مرفوعا ( كفى بالموت واعظا وكفى باليقين غنى } رواه الطبراني ورواه الشافعي وأحمد عن الربيع بن أنس مرسلا ) كفى بالموت وهذا في الدنيا مرغبا في الآخرة وعن أبي هريرة بادروا بالأعمال سبعا تنظرون إلا نقرا منسيا أو غنى مطغيا أو مرضا مفسدا أو هرما مفتدا أو موتا مجهزا والدجال فإنه شر منتظر والساعة أدهى وأمر )(١٧) رواه الترمذي والحاكم وصححه، وروى أحمد ومسلم عنه مرفوعا ( بادروا قبل ست طلوع الشمس من مغربها والدخان ودابة الأرض والدجال وخويصة أحدكم وأمر العامة ) (١٨) والمراد بخويصة أحدكم الموت وبأمر العامة القيامة، وعن أبي أمامة عند البيهقي نحوه. وهو العزيز في انتقامه ممن عصا الغفور لمن شاء.

١ سورة الأنعام الآية: ١١٢.
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: الإيمان باب: ما جاء في افتراق هذه الأمة ٢٧١٢ وقال: حديث حسن.
٣ سورة البقرة الآية: ٢٨.
٤ سورة الحديد الآية: ١٧.
٥ سورة النحل الآية: ٢١.
٦ سورة البقرة: الآية: ٧٤.
٧ سورة الإسراء الآية: ٤٤.
٨ سورة البقرة: الآية: ١١٧.
٩ سورة النور الآية: ٣٥.
١٠ سورة البقرة: الآية ٢٨.
١١ سورة الأنعام: الآية: ١٢٢.
١٢ سورة الزمر الآية ٣٠.
١٣ سورة الرحمن الآية: ٢٦.
١٤ سورة القصص الآية: ٨٨.
١٥ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق: باب صفة الجنة والنار ٦١٨٢ وأخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء ٢٨٥٠.
١٦ قال القاري موضوع لا أصل له، وقال السبكي موضوع مفتري انظر كشف الخفاء ١٤٠٩.
١٧ أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد باب: ما جاء في المبادرة بالعمل ٢٣٤٣.
١٨ أخرجه مسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة باب: في بقية من أحاديث الدجال ٢٩٤٧.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير