ثم استشهد على تمام قدرته بقوله : الذي خلق سبعَ سمواتٍ طِباقاً أي : متطابقة بعضها فوق بعض، من طباق النعل : إذا خصفها طبقاً على طبق، وهو مصدر وصف به، أو : ذات طباق، أو : طوبقت طباقاً. وقوله تعالى : ما ترى في خَلْقِ الرحمنِ من تفاوتٍ صفة أخرى لسبع سموات، وضع فيها " خَلْق الرحمان " موضع الضمير للتعظيم، والإشعار بعلة الحكم، وبأنه تعالى خلقها بقدرته، رحمةً وتفضُّلا، ولأنَّ في إبداعها نعماً جليلة. أو : استئناف. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحدٍ يصلح للخطاب، و " مِن " لتأكيد النفي، أي : ما ترى فيه شيئاً من تفاوت، أي : اختلاف وعدم تناسب أو اضطراب. وعن السدي : من عيْبٍ. وحقيقة التفاوت : عدم التناسب، كأنّ بعضاً يفوت بعضاً. وقرأ الأخوان :" تَفَوُّت " كالتعاهد والتعهّد، والبناء لواحد. فارجع البصرَ أي : ردَّه إلى السماء، حتى يصحَّ عندك ما أُخْبِرْت به معاينةً، حتى لا يبقى شُبهة. هل ترى من فطورٍ ؛ صدوع وشقوق، جمع : فَطَر، وهو الشقّ، يقال : فطره فانفطر.
وهو العزيز يُعز مَن أقبل عليه، والغفور لمَن رجع بعد الإعراض إليه. الذي خلق سبعَ سموات الأرواح، وتقدّم قريباً تفسيرها، وعالم الأرواح في غاية الإتقان، ليس فيه خلل ولا تفاوت، ولقد زيَّنا السماء الدنيا. قال القشيري : أراد بسماء الدنيا سماء القلب، لدنوه من سماء الروح، أي : زيّنا ونوّرنا سماء القلب بمصابيح العلم وأنوار الواردات القلبية، وسبحات الإلهامات الربانية، وجعلناها رجوماً للشياطين ؛ الخواطر النفسانية، والهواجس الظلمانية الشيطانية، وأعتدنا لتلك الخواطر عذابَ السعير، فيحترق بالخواطر الملكية والرحمانية. هـ. وَفِي ذِكْرِ هولِ الموتِ والقَبْر والبلاَ عَن الشغْل باللذَّاتِ للمرء زَاجِر أَبَعْدَ اقْتِرابِ الأَربَعينَ تَربُّص وشَيْب فَذاك مُنْذِرٌ لك ذَاعِر فَكَمْ في بُطون الأرضِ بعد ظُهورها مَحَاسِنهم فيها بوَالٍ دَوَاثِر وأنت على الدنيا مُكب مُنَافِس لِحُطَامِها فيها حَريص مُكاثر علَى خطرٍ تُمسي وتُصبح لاَهِياً أَتدْرِي بماذا لَوْ عقلت تُخاطِر وَإِنْ أحد يَسعى لدُنياه جَاهداً ويَذْهلُ عن أخراه لا شَكَّ خاسِر فَجدّ ولا تَغفَل، فَعَيشك زائِل وأَنْتِ إِلى دارِ الْمَنِيَّةِ صَائِر
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي