ﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ

قوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ .
ذكر خلق السماوات السبع الطباق على هذا النحو دون تفاوت أو فطور بعد ذكر أول السورة، يدل على أن خلق هذه السبع من كمال قدرته.
وقد بين الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، الحكمة في خلق السماوات والأرض ضمن تنبيه عقده في أواخر سورة الذاريات.
وقد تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه معنى الآية الكريمة، والآيات الموضحة لها عند الكلام على أول سورة ق عند قوله تعالى أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ [ ق : ٦ ] قال في إملائه : إن قوله تعالى في خلق الرحمن عام في جميع مخلوقاته، من معنى الاستواء والحكمة والدقة في الصنع، وتدخل السماوات في ذلك بدليل قوله تعالى : صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شيء [ النمل : ٨٨ ] وإتقان كل شيء بحسبه، كما في قوله : قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شيء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [ طه : ٥٠ ].
وقوله : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شيء خَلَقَهُ [ السجدة : ٧ ].
وبدأ خلق الإنسان من طين، وهذا الحال للسماء في الدنيا فقط، وستنفطر يوم القيامة، كما في قوله تعالى : إِذَا السَّمَآءُ انفَطَرَتْ [ الإنفطار : ١ ] إِذَا السَّمَآءُ انشَقَّتْ [ الانشقاق : ١ ] وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَآءُ بِالْغَمَامِ [ الفرقان : ٢٥ ] ونحو ذلك من الآيات.
قوله تعالى : فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ .
تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان ذلك عند قوله تعالى : وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً [ الأنبياء : ٣٢ ] في سورة الأنبياء.
وعند قوله : أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السَّمَآءِ فَوْقَهُمْ [ ق : ٦ ] في سورة ق.
ولعل مجيء هذه الآية بعد لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [ الملك : ٢ ] توجيه إلى حسن صنع الله وإبداعه في خلقه مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْماَنِ مِن تَفَاوُتٍ [ الملك : ٣ ].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:المنصوص هنا إرجاع البصر كرتين، ولكن حقيقة النظر أربع مرات.
الأولى في قوله : مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ [ الملك : ٣ ].
والثانية في قوله : فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ [ الملك : ٣ ].
والثالثة والرابعة في قوله : ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ [ الملك : ٤ ].
وليس بعد معاودة النظر أربع مرات من تأكيد، والحسير : العي الكليل العاجز المتقطع دون غاية، كما في قول الشاعر :

من مد طرفاً إلى ما فوق غايته ارتد خسآن من الطرف قد حسرا
قال القرطبي : يقال قد حسر بصره يحسر حسوراً، أي كل وانقطع نظره من طول مدى، وما أشبه ذلك فهو حسير ومحسور أيضاً.

قال :
نظرت إليها بالمحصب من منى فعاد إلي الطّرف وهو حسير
قوله تعالى : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا .
فالدنيا تأنيث الأدنى أي السماء الموالية للأرض، ومفهومه أن بقية السماوات ليست فيها مصابيح، التي هي النجوم والكواكب كما قال : بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ [ الصافات : ٦ ] ويدل لهذا المفهوم ما جاء به عن قتادة : أن الله جعل النجوم لثلاثة أمور. أمران هنا، وهما زينة السماء الدنيا ورجوماً للشياطين. والثالثة علامات واهتداء في البر والبحر، وهذه الأمور الثلاثة تتعلق بالسماء الدنيا. لأن الشياطين لا تنفذ إلى السماوات الأخرى، لأنها أجرام محفوظة، كما في حديث الإسراء " لها أبواب وتطرق ولا يدخل منها إلا بإذن ".
وكقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَآءِ [ الأعراف : ٤٠ ].
وكذلك ليس هناك من يحتاج إلى اهتداء بها في سيره، لأن الملائكة كل في وضعه الذي أوجده الله عليه، ولأن الزينة لن ترى لوجود جرم السماء الدنيا، فثبت أن النجوم خاصة بالسماء الدنيا.
وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله تعالى : إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ [ الصافات : ٦ -٧ ].
ومفهوم الدنيا عدم وجودها فيما بعدها، ولا وجود للشيطان في غير السماء الدنيا.
وقوله تعالى : وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ ، وهي الشهب من النار، والشهب النار، كما في قوله : أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [ النمل : ٧ ]، والرجوم والشهب هي التي ترمى بها الشياطين عند استراق السمع، كما في قوله تعالى : فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً [ الجن : ٩ ].
وقوله : إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [ الصافات : ١٠ ].
وهنا سؤال، وهو إذا كان الجن من نار، كما في قوله : وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ [ الرحمان : ١٥ ]، فكيف تحرقه النار ؟
فأجاب عنه الفخر الرازي بقوله : إن النار يكون بعضها أقوى من بعض، فالأقوى يؤثر على الأضعف، ومما يشهد لما ذهب إليه قوله تعالى بعده وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ والسعير : أشد النار.
ومعلوم أن النار طبقات بعضها أشد من بعض، وهذا أمر ملموس، فقد تكون الآلة مصنوعة من حديد وتسلط عليها آلة من حديد أيضاً، أقوى منها فتكسرها.
كما قيل : لا يفل الحديد إلا الحديد، فلا يمنع كون أصله من نار ألا يتعذب بالنار، كما أن أصل الإنسان من طين من حمإٍ مسنون، ومن صلصال كالفخَّار، وبعد خلقه فإنه لا يحتمل التعذيب بالصلصال ولا بالفخار، فقد يقضى عليه بضربة من قطعة من فخَّار. والعلم عند الله تعالى.

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - أضواء البيان

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير