المعنى الجملي : مجد الله نفسه وأخبر أن بيده الملك والتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، لقهره وحكمته وعدله، وهو القدير على كل شيء. ثم أخبر بأنه قدّر الموت والحياة ليبلوكم فينظر من منكم أخلص له عملا، وهو ذو العزة الغالب على أمره، الغفور لمن أذنب ثم تاب وأقلع عنه. ثم أردف ذلك بأنه خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض لا خلل فيها ولا عيب، فانظر أيها الرائي أترى فيها شقا أو عيبا ؟ ثم أعد النظر وحدّق بالبصر، لتستيقن تمام تناسبها واستواء خلقها، وقد زينا أقرب السماوات إليكم بكواكب يهتدي بها الساري، ويعلم بها عدد السنين والحساب، وعليها تتوقف حياة الحيوان والنبات، وهي أيضا سبب الأرزاق المهيجة لشهوات شياطين الإنس والجن، وهؤلاء قد استمدوا شيطنتهم من مظاهر الطبيعة بواسطة الحرارة والضوء من الكواكب، وبذا أعد لهم عذاب السعير جزاء ما اقترفوا في حياتهم الدنيا.
شرح المفردات : المصابيح : واحدها مصباح وهو السراج ؛ والمراد بها الكواكب، والرجوم : واحدها رجم ( بالفتح ) وهو ما يرجم ويرمي به، والشياطين : هم شياطين الإنس والجن، وأعتدنا : أي هيأنا، عذاب السعير : أي عذاب النار المسعرة الموقدة.
وبعد أن بين خلو السماوات من العيب ذكر أنها الغاية في الحسن والبهاء فقال :
ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح أي ولقد زينا السماء القربى من الأرض، وهي التي يراها الناس بكواكب مضيئة بالليل، كما يزين الناس منازلهم ومساجدهم بالسّرج، ولكن أنى لسرج الدنيا أن تكون كسرج الله ؟
والخلاصة : أن نظام السماوات لا خلل فيه، بل هو أعظم من ذلك، فقد زينت سماؤه القريبة منا بمصابيح، هي بهجة للناظرين، وعبرة للمعتبرين.
وجعلناها رجوما للشياطين أي وهذه الكواكب لا تقف عند حد الزينة، بل بضوئها يكون ما في الأرض : من رزق وحياة وموت، بحسب الناموس الذي سنناه، والقدر الذي أمضيناه، ويكون في العالم الإنساني وعالم الجن نفوس تتقاذفها الأهواء، وتتجاذبها اللذات والشهوات التي تنجم من العناصر المتفاعلة بسبب الأضواء المشعة النازلة من عالم الكواكب المشرقة في السماء.
وقصارى القول : إن هذه الكواكب كما هي زينة الدنيا، وأسباب لرزق ذوي الصلاح من الأنبياء والعلماء والحكماء، هي أيضا سبب لتكون الأرزاق المهيجة لشهوات شياطين الإنس والجن ؛ فهذا العالم قد اختلط فيه الضر بالنفع، وأعطى لكل ما استعد له ؛ فالنفوس الفاضلة، والنفوس الشريرة، استمدت من هذه المادة المسخرة المقهورة، فصارت سببا لثواب النفوس الطيبة، وعذاب النفوس الخبيثة، وصار لهم فيها رجوم وظنون، إذ هم قد استمدوا شيطنتهم من مظاهر الطبيعة الناشئة من الحرارة والضوء.
ويرى بعض المفسرين أن المراد، أن المصابيح التي زين الله بها السماء الدنيا لا تزول عن مكانها ولا يرجم بها، بل ينفصل من الكوكب شهاب يقتل الجني أو يخبله.
قال قتادة : خلق الله النجوم لثلاث : زينة للسماء، ورجوم للشياطين، وعلامات يهتدى بها في البر والبحر، فمن تكلم فيها بغير ذلك فقد تكلم فيما لا يعلم، وتعدى وظلم.
وأعتدنا لهم عذاب السعير أي وهيأنا لهؤلاء الشياطين في الآخرة عذاب النار الموقدة كفاء ما اكتسبوا من اللذات، وانجذبوا إليه من الشهوات، وغفلوا عن جمال هذه العوالم التي لم يعرفوا منها إلا شهواتهم، أما عقولهم فقد احتجبت عنها.
والخلاصة : إن السماء قد أضاءت على البر والفاجر، فالفجار حصروا أنفسهم في شهواتهم، فلم ينظروا إليها نظر فكر وعقل، بل نظروا إليها باعتبار أن بها تقوم حياتهم، وهؤلاء أعتدنا لهم عذاب السعير في الآخرة، لأن هذا يشاكل حالهم في الدنيا، إذ هم فيها قد حبسوا أنفسهم في نيران البخل والحقد والطمع، فتحولت إلى نار مبصرة يرون عذابها في الآخرة.
تفسير المراغي
المراغي