المعنى الجملي : أقسم ربنا بالقلم وما يسطر به من الكتب : إن محمدا الذي أنعم عليه بنعمة النبوة ليس بالمجنون كما تدعون، وكيف يكون مجنونا والكتب والأقلام أعدت لكتابة ما ينزل عليه من الوحي.
وقد أقسم سبحانه بالقلم والكتب فتحا لباب التعليم بهما، ولا يقسم ربنا إلا بالأمور العظام ؛ فإذا أقسم بالشمس والقمر، والليل والفجر، فإنما ذلك لعظمة الخلق وجمال الصنع، وإذا أقسم بالقلم والكتب فإنما ذاك ليعم العلم والعرفان، وبه تتهذب النفوس، وترقى شؤوننا الاجتماعية والعمرانية، ونكون كما وصف الله كنتم خير أمة أخرجت للناس [ آل عمران : ١١٠ ] ثم وعد رسوله بما سيكون له من جزيل الأجر على صبره على احتمال أذى المشركين، وأردف هذا بوصفه بحسن الخلق ورفقه بالناس امتثالا لأمره خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [ الأعراف : ١٩٩ ] قالت عائشة رضي الله عنها : كان خلقه القرآن.
ثم هدد المشركين وتوعدهم بما سيتبين لهم من عاقبة أمره وأمرهم، وأنه سيكون العزيز المهيب في القلوب وسيكونون الأذلاء، وأنه سيستولي عليهم ويأسر فريقا ويقتل آخر، وسيعلمون حينئذ من المجنون ؟ والله هو العليم بالمجانين الذين ضلوا عن سبيله، والعقلاء الذين اهتدوا بهديه.
شرح المفردات : المفتون : المجنون لأنه فتن، أي ابتلي بالجنون.
ثم توعدهم بما يحل بهم من النكال والوبال في الدنيا والآخرة فقال :
فستبصر ويبصرون* بأييكم المفتون أي فستعلم أيها الرسول وسيعلم مكذبوك من المفتون الضال منكم ومنهم ؟.
ونحو الآية قوله تعالى : سيعلمون غدا من الكذاب الأشر [ القمر : ٢٦ ] وقوله : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [ سبأ : ٢٤ ].
والخلاصة : ستبصر ويبصرون غلبة الإسلام واستيلاءك عليهم بالقتل والأسر، وهيبتك في أعين الناس أجمعين، وصيرورتهم أذلاء صاغرين.
وهذا يشمل ما كان في بدر وغيرها من الوقائع التي كان فيها النصر المبين للمؤمنين، والخزي والهوان وذهاب صولة المشركين مما كان عبرة ومثلا للآخرين.
تفسير المراغي
المراغي