ثم رد على الكفرة رميهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون، فقال :
وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ .
يقول الحق جلّ جلاله : وإِن يكادُ الذين كفروا لَيُزْلِقُونك بأبصارهم ، يقال : زَلَقه زَلَقاً، وأزلقه إزلاقاً : أزاله عن مكانه، و " إن " مخففة، أي : وإن الشأن يقرب الذي كفروا من شدّة عداوتهم، ونظرهم إليك شزراً بعيون العداوة أن يزيلوك عن مكانك، ويزلقوا قدمك عن مكانه، أو : يهلكوك لشدة حنقهم عليك، وكانت في بني أسد عيانون، فكان الرجل منهم يجوع ثلاثة أيام، فلا يمر به شيء فيقول فيه : لم أرَ كاليوم مثله ؛ إلاّ هلك، فأراد بعضُهم أن يَعين رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فعصمه الله من ذلك، فنزلت. وفي الحديث :" العين حق، وإن العين لَتُدْخِل الجمل القِدر، والرجلَ القبر " ١، وهي من خصائص بعض النفوس. وعن الحسن : دواء الإصابة بالعين أن يقرأ هذه الآية. ه.
و لمَّا سمعوا : ظرف ليُزلقونك، أي : يهلكونك وقت سماعهم الذكرَ أي : القرآن، أي : لاشتداد بغضهم وحسدهم وقت سماعه، ويقولون لغاية حيرتهم في أمره صلى الله عليه وسلم، ونهاية جهلهم لِما في تضاعيف القرآن من عجائب الحِكَم وبدائع العلوم المحجوبة عن العقول : إنه لمجنونٌ أي : إنَّ محمداً لمجنون، حيرةً في أمره، وتنفيراً للناس عنه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي