وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارهم «إن » هي المخففة من الثقيلة. قرأ الجمهور لِيُزْلِقُونَكَ بضم الياء من أزلقه : أي أزلّ رجله، يقال : أزلقه عن موضعه إذا نحاه، وقرأ نافع وأهل المدينة بفتحها من زلق عن موضعه : إذا تنحى. قال الهروي : أي فيغتالونك بعيونهم، فيزلقونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوة لك، وقرأ ابن عباس وابن مسعود والأعمش ومجاهد وأبو وائل «ليرهقونك » أي يهلكونك. وقال الكلبي يزلقونك أي يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة، وكذا قال السديّ وسعيد بن جبير. وقال النضر بن شميل والأخفش : يفتنونك. وقال الحسن وابن كيسان : ليقتلونك. قال الزجاج : في الآية مذهب أهل اللغة والتأويل أنهم من شدّة إبغاضهم وعداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك، وهذا مستعمل في الكلام، يقول القائل : نظر إليّ نظراً يكاد يصرعني، ونظراً يكاد يأكلني. قال ابن قتيبة : ليس يريد الله أنهم يصيبونك بأعينهم، كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظراً شديداً بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك، كما قال الشاعر :
| يتعارضون إذا التقوا في مجلس | نظراً يزيل مواطئ الأقدام |
لَمَّا سَمِعُواْ الذكر أي وقت سماعهم للقرآن لكراهتهم لذلك أشدّ كراهة، ولما ظرفية منصوبة بيزلقونك، وقيل : هي حرف، وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه : أي لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك
وَيَقُولُونَ إِنَّهُ مَّجْنُونٍ أي ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البخاري وغيره عن أبي سعيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً» وهذا الحديث ثابت من طرق في الصحيحين وغيرهما، وله ألفاظ في بعضها طول، وهو حديث مشهور معروف. وأخرج ابن منده عن أبي هريرة في الآية قال : يكشف الله عزّ وجلّ عن ساقه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن منده عن ابن مسعود في الآية قال : يكشف عن ساقه تبارك وتعالى. وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وضعفه وابن عساكر عن أبي موسى عن النبيّ في الآية قال :«عن نور عظيم فيخرّون له سجداً». وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن منده والبيهقي عن إبراهيم النخعي عن ابن عباس في الآية قال : يكشف عن أمر عظيم، ثم قال : قد قامت الحرب على ساق. قال : وقال ابن مسعود : يكشف عن ساقه فيسجد كلّ مؤمن، ويقسو ظهر الكافر فيصير عظماً واحداً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس أنه سئل عن قوله : يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ قال : إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب، أما سمعتم قول الشاعر :
وقامت الحرب بنا على ساق ***...
قال ابن عباس : هذا يوم كرب شديد. روي عنه نحو هذا من طرق أخرى، وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيماً ولا تشبيهاً فليس كمثله شيء. | دعوا كل قول عند قول محمد | فما آمن في دينه كمخاطر |
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سالمون قال : هم الكفار يدعون في الدنيا وهم آمنون فاليوم يدعون وهم خائفون. وأخرج البيهقي في الشعب عنه في الآية قال : الرجل يسمع الأذان فلا يجيب الصلاة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضاً في قوله : لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارهم قال : ينفذونك بأبصارهم.