ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ

قال تعالى : فأما من أوتي كتابه بيمينه أي : الذي أثبتت فيه أعماله فيقول لما رأى من سعادته تبجعاً بحاله وإظهاراً لنعمة ربه ؛ لأن الإنسان مطبوع على أن يظهر ما آتاه الله تعالى من خير تكميلاً للذته قيل : إنه تكتب سيئاته في باطن صحيفته وحسناته في ظاهرها فيقرأ الباطن ويقرأ الناس الظاهر، فإذا أنهاه قيل له : قد غفرها الله تعالى اقلب الصحيفة، فحينئذ يكون قوله : هاؤم اقرؤوا أي : خذوا اقرؤوا كتابيه يقول ذلك ثقة بالإسلام وسروراً بنجاته ؛ لأن اليمين عند العرب من دلائل الفرح قال الشاعر :

إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
قال ابن عباس رضي الله عنهما : أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وله شعاع كشعاع الشمس قيل : فأين أبو بكر ؟ قال : هيهات زفته الملائكة إلى الجنة، وقال ابن زيد : معنى هاؤم : تعالوا، فيتعدى بإلى. وقال مقاتل : هلمّ، وقال غيره : خذوا، ومنه الحديث في الربا «إلا هاء وهاء »، أي : يقول كل لصاحبه : خذ، وهذا هو المشهور، ولذلك فسرت به الآية الكريمة. وقيل : هي كلمة وضعت لإجابة الداعي عند الفرح والنشاط، وفي الحديث «أنه صلى الله عليه وسلم ناداه أعرابي بصوت عال فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم هاؤم بصولة صوته ». وقيل : معناها اقصروا وزعم هؤلاء أنها مركبة من ها التنبيه وأموا أمر من الأمّ وهو القصد فصيّره التخفيف والاستعمال إلى هاؤم، وقيل : الميم ضمير جماعة الذكور وزعم العتبي أن الهمزة بدل من الكاف، قال ابن عادل : فإن عنى أنها تحل محلها فصحيح، وإن عني البدل الصناعي فليس بصحيح.
تنبيه : كتابيه منصوب بهاؤم عند الكوفيين، وعند البصريين باقرؤوا لأنه أقرب العاملين، والأصل : كتابي فأدخل الهاء لتتبين صحة الياء والهاء في كتابيه و حسابيه و سلطانيه و ماليه للسكت وكان حقها أن تحذف وصلاً وتثبت وقفاً، وإنما أجري الوصل مجرى الوقف أو وصل بنية الوقف في كتابيه وحسابيه اتفاقاً، فأثبت الهاء وكذا في ماليه [ الحاقة : ٢٨ ] و سلطانيه [ الحاقة : ٢٩ ] و ماهيه [ القارعة : ١٠ ] في القارعة عند القراء كلهم إلا حمزة، فإنه حذف الهاء من هذه الكلم الثلاثة وصلاً وأثبتها وقفاً ؛ لأنها في الوقف محتاج إليها لتحصين حركة الموقوف عليه، وفي الوصل مستغنى عنها.
فإن قيل : فلم لم يفعل ذلك في كتابيه و حسابيه ؟ أجيب : بأنه جمع بين اللغتين.

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

الشربيني

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير