قال الضحاك: كل ظن فى القرآن من المؤمن فهو يقين، ومن الكافر فهو شكّ وقال مجاهد: ظن الآخرة يقين، وظن الدنيا شك.
وقال الحسن فى الآية: إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل للآخرة، وإن الكافر أساء الظن بربه فأساء العمل لها.
ثم بيّن عاقبة أمره فقال:
(فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ) أي فهو يعيش عيشة مرضية خالية مما يكدر مع دوامها وما فيها من إجلال وتعظيم.
ثم فصل ذلك فقال:
(فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ قُطُوفُها دانِيَةٌ) أي فهو يعيش فى بستان عال رفيع ذى ثمار دانية القطوف، يأخذها المرء كما يريد، إن أحب أن يأخذها بيده انقادت له، وهو قائم وجالس أو مضطجع، وإن أحب أن تدنو إلى فيه دنت له.
(كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ) أي ويقول لهم ربهم جل ثناؤه: كلوا يا معشر من رضيت عنه فأدخلته جنتى- من ثمارها وطيب ما فيها من الأطعمة، واشربوا من أشربتها، أكلا وشربا هنيئا لا تتأذون بما تأكلون وما تشربون جزاء من الله، وثوابا على ما قدمتم فى دنياكم لآخرتكم من العمل بطاعتي.
[سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ٢٥ الى ٣٧]
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩)
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)
فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)
شرح المفردات
القاضية: أي القاطعة للحياة فلم أبعث بعدها، ما أغنى عنى ماليه: أي لم يغن عنى مالى الذي تركته فى الدنيا، هلك: أي بطل، والسلطان: الحجة، غلّوه: أي شدّوه بالأغلال، والغلّ: القيد الذي يجمع بين اليدين والعنق، والجحيم: النار المتأججة المشتعلة، وصليته النار وأصليته: أي أوردته إياها، ذرعها: أي طولها، فاسلكوه: أي فاجعلوه فيها بحيث يكون كأنه السلك: أي الحبل الذي يدخل فى ثقب الخرزات بعسر لضيق ذلك الثقب، إما بإحاطتها بعنقه أو بجميع بدنه بأن تلفّ عليه، ويقال سلكته الطريق: إذا أدخلته فيه، حميم: أي قريب مشفق، والغسلين: الدم والماء والصديد الذي يسيل من لحوم أهل النار قاله ابن عباس،
وعن أبى سعيد الخدري مرفوعا: «لو أن دلوا من غسلين يهراق فى الدنيا لأنتن أهل الدنيا» أخرجه الحاكم وصححه،
والخاطئون: أي الآثمون يقال خطئ الرجل: إذا تعمد الإثم والخطأ.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر سرور السعداء بصحائف أعمالهم، ثم بيّن حسن أحوالهم فى معايشهم ومساكنهم- أردف ذلك بذكر غمّ الأشقياء الكافرين وحزنهم بوضع الأغلال والقيود فى أعناقهم وأيديهم، وإعطائهم الغسلين طعاما، ثم أعقبه بذكر سبب هذا، وهو أنهم كانوا لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحثون على مساعدة ذوى الحاجة والبائسين.
الإيضاح
(وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ) فإنه لما نظر فى صحيفة أعماله، وتذكر قبيح أفعاله، خجل منها وتمنى أن لو كان عذب فى النار ولم يخجل هذا الخجل.
وفى هذا إيماء إلى أن العذاب الروحاني أشد ألما من العذاب الجسماني.
(وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ؟) أي ولم أعلم أىّ شىء حسابى الذي أحاسب به، إذ كله وبال ونكال.
(يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ) أي ليت الموتة التي متها فى الدنيا كانت نهاية الحياة، لم أبعث بعدها ولم ألق ما أنا فيه من نكال وسوء منقلب.
قال قتادة: تمنّى الموت ولم يكن فى الدنيا عنده شىء أكره من الموت اهـ، وشر من الموت ما يطيب له الموت، قال شاعرهم:
| وشرّ من الموت الذي إن لقيته | تمنيت منه الموت والموت أعظم |
(هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ) أي ذهب ملكى وتسلطى على الناس، وبقيت فقيرا ذليلا، ومراده التحسر والندم، إذ كان ينازع المحقين بسبب الملك والسلطان، فالآن ذهب ذلك وبقي الوبال.
ثم ذكر سبحانه سوء منقلبه فقال:
(خُذُوهُ فَغُلُّوهُ. ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ) أي فيقال لزبانية جهنم: خذوه فضعوا الغلّ فى عنقه، ثم أدخلوه فى النار الموقدة لقاء كفره بالله واجتراحه عظيم الآثام.
(ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ) أي ثم أدخلوه فى سلسلة طولها سبعون ذراعا تلفّ على جميع جسمه حتى لا يستطيع تحركا ولا انفلاتا. صفحة رقم 59
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي