وقد ذكره القرطبي١ فقال :«لأنه يصير المعنى : ليس هاهنا طعام إلا من غسلين، ولا يصح ذلك ؛ لأن ثمَّ طعاماً غيره ». انتهى وفي هذا نظر ؛ لأنا لا نسلم أولاً أن ثمَّ طعاماً غيره، فإن أورد قوله : لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ [ الغاشية : ٦ ] فهذا طعام آخر غير الغسلين.
فالجواب : أن بعضهم ذهب إلى أن الغسلين هو الضريع بعينه، فسمَّاه في آية «غسليناً » وفي أخرى «ضريعاً ».
ولئن سلمنا أنهما طعامان، فالحصر باعتبار الآكلين، يعني : أنَّ هذا الآكل انحصر طعامه في الغسلين، فلا ينافي أن يكون في النار طعام آخر.
وإذا قلنا : إن «له » الخبر، وأن «اليوم »، و «هاهنا » متعلقان بما تعلق هو به، فلا إشكال، وكذلك إذا جعلنا «هاهنا » هو الخبر، وعلقنا به الجار والظرف، ولا يضرّ كون العامل معنوياً للاتساع في الظروف وحروف الجر.
وقوله : إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ، صفة ل «طعام »، دخل الحصر على الصفة، كقولك :«ليس عندي إلا رجلٌ من بني تميم ».
والمراد ب «الحميم » : الصديق، فعلى هذا الصفة مختصة بالطَّعام، أي : ليس له صديق ينفعه، ولا طعام إلا من كذا.
وقيل : التقدير : ليس له حميم إلاَّ من غسلين ولا طعام. قاله أبو البقاء.
فجعل «مِنْ غسْلِين » صفة ل «الحميم »، كأنه أراد الشَّيء الذي يحم به البدن من صديد النَّار.
وقيل : من الطعام والشَّراب ؛ لأن الجميع يطعم، بدليل قوله : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني [ البقرة : ٢٤٩ ].
فعلى هذا يكون إلاَّ من غسلين صفة ل «حميم » ول «طعام »، والمرادُ بالحميم : ما يشرب، أي : ليس له طعام، ولا شراب إلا غسليناً.
أما إذا أريد بالحميم : الصديد فلا يتأتَّى ذلك.
وعلى هذا الذي ذكرنا، فيه سؤالٌ، وهو أن يقال : بأي شيء تعلَّق الجارُّ والظرفان ؟ والجواب : إنَّها تتعلق بما تعلق به الخبرُ، أو يجعل «له » أو «هاهنا » حالاً من «حميم » ويتعلق «اليوم » بما تعلق به الحال، ولا يجوز أن يكون «اليوم » حالاً من «حميم »، و «له » و «هاهنا » متعلقان بما تعلق به الحال ؛ لأنه ظرف زمان، وصاحبُ الحال جثة، وهذا موضعٌ حسنٌ مفيدٌ.
و «الغِسْلين » :«فِعْلين » من الغُسَالة، فنُونُه وياؤه زائدتان.
قال أهل اللغة : هو ما يجري من الجراح إذا غسلت.
قال المفسرون : هو صديدُ أهل النَّارِ.
وقيل : شجر يأكلونه.
وعن ابن عباس : لا أدري ما الغِسْلينُ٢.
وسمي طعاماً ؛ لقيامه مقامه فسمي طعاماً ؛ كقوله :[ الوافر ]
٤٨٥٢ -. . . *** تَحِيَّةُ بَينِهمْ ضَرْبٌ وجِيعُ٣
٢ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٤٢٦) وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأبي القاسم الزجاجي النحوي في "أماليه"..
٣ تقدم..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود