٢ المعارج : جمع معراج وهو ما يصعد عليه إلى أعلى. وهي كناية عن السماوات على ما روي عن ابن عباس. وهناك من قال : إنها بمعنى ذي الفضل والنعم.
في الآيات : إشارة إلى سؤال سائل عن عذاب الله الموعود وموعد وقوعه ومحله. وتوكيد بوقوعه على الكافرين دون أن يستطيع أحد دفعه عنهم من الله رب السماوات الذي يصعد إليه فيها الملائكة والروح في يوم طوله خمسون ألف سنة من أيام الدنيا. وأمر للنبي بالصبر والثبات وعدم الاغتمام وتطمين له : فإذا كان الكفار يرون ذلك العذاب ويوم موعده بعيدا فهو عند الله قريب.
والآية الأولى تحتمل أن يكون السؤال وقع فنزلت الآيات بمناسبته، كما تحتمل أن تكون حكاية لما كان يتكرر وقوعه من الكفار من استعجال العذاب أو التساؤل عن موعده على سبيل الإنكار والتحدي والاستهتار على ما حكته عنهم آيات عديدة مرت أمثلة منها. وقد احتوت الآيات ردا تضمن التوكيد والتنديد والبرهان المستمد من المحسوس وبخاصة المستند إلى ما هو قائم في مشاهد الكون من عظمة الله وقدرته. بحيث لا يصح في العقل أن يستبعد عليه شيء.
ووجود الله سبحانه وعظمته وشمول قدرته وحكمه مما كان يعترف به السامعون على ما مرت الشواهد القرآنية العديدة عليه فتكون الحجة هنا مستحكمة فيهم.
تعليق على رواية شيعية في سبب
نزول هذه الآيات.
ولقد روى المفسر الشيعي الطبرسي عن جعفر بن محمد أحد الأئمة الاثني عشر رواية في سبب نزول هذه الآيات جاء فيها :( لما نصّب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا يوم غدير خمّ، وقال : من كنت مولاه فعليّ مولاه طار ذلك في البلاد، فقدم على النبي صلى الله عليه وسلم النعمان بن الحرث الفهري فقال : أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأمرتنا بالجهاد والحج والصوم والصلاة والزكاة فقبلناها، ثم لم ترض حتى نصّبت الغلام فقلت : من كنت مولاه فعليّ مولاه، فهذا شيء منك أو أمر من عند الله ؟ فقال : والله الذي لا إله إلا هو إن هذا من الله. فولّى النعمان بن الحرث وهو يقول : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فرماه الله بحجر على رأسه فقتله، وأنزل الله تعالى : سأل سائل بعذاب واقع وسورة كالمعارج مكية بدون خلاف. والحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم غدير خمّ صدر عنه حسب الروايات بعد رجوعه من حجة الوداع أي قبيل وفاته. أو بعد رجوعه من فتح مكة في السنة الهجرية الثامنة. وجملة ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عند الخ... ) آية في سورة الأنفال المدنية تحكي في سياقها أقوال مشركي مكة في العهد المكي. والآيات التي بعدها ترد عليهم. وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يعد يوم الحديث المروي غلاما، فإنه جاوز الثلاثين سنين عديدة ؛ حيث يبدو من ذلك غرابة الرواية وكونها من نوع مرويات الشيعة العديدة التي يرووها في سياق التفسير لتأييد هواهم.
تعليق على جملة
تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة
يروي المفسرون أقوالا عديدة ومنسوبة إلى بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم في صدد هذه الجملة ١. فمنها في صدد والروح أنها تعني جبريل عليه السلام الذي يرجح أنها عنته في آيات في سور أخرى سبق تفسير بعضها مثل سورتي النحل والشعراء. ومنها أنها تعني أرواح الناس حينما تنقضي آجالهم مما ذكر في حديث رويناه في سياق بعض آيات سورة إبراهيم التي سبق تفسيرها. ولقد ذكر الروح مع الملائكة في سورة القدر بأسلوب يدل على أنه رئيس الملائكة ويكون على رأسهم في نزولهم إلى الأرض كما ذكرت في مثل هذا المقام أو بعبارة أخرى في قيام الملائكة والروح صفا أمام الله يوم القيامة في إحدى آيات سورة النبأ التي يأتي تفسيرها بعد قليل حيث يسوّغ الترجيح أنها هنا من هذا الباب. ومنها في صدد خمسين ألف سنة أن الرقم هو المسافة التي بين تخوم الأرض إلى فوق السماوات السبع حسب أيام الدنيا يقطعها الملائكة والروح في يوم واحد. ومنها أنها بمعنى أنه لو صعد غير الملائكة من منتهى أمر الله في أسفل الأرض السابعة لما صعد في أقل من خمسين سنة والملائكة يقطعونها في ساعة واحدة. ومنها أن الرقم هو يوم القيامة ومنها أنه مدة الدنيا. وقد حاول المفسرون الذين رووا القولين الأولين التوفيق بين هذا الرقم وبين ما جاء في سورة السجدة التي مر تفسيرها في هذا الجزء فقالوا : إن يوم سورة السجدة هو من الأرض الأولى إلى السماء الأولى في حين أن يوم المعارج من تخوم الأرض السابعة إلى ما فوق السماء السابعة.
ولقد أورد ابن كثير بسبيل تأييد كون اليوم هو يوم القيامة حديثا رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد قال :( قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا ). ومع أن المفسر عقب على هذا الحديث قائلا : إن شخصين من رواته ضعيفان، فإنه أورد حديثا آخر رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي أيضا عن أبي هريرة جاء فيه :( قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفّحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار )٢. هذا في حين أن فحوى الآيات يتسق مع القولين الأولين أكثر وأن المتبادر من هذا الفحوى هو بيان كون المسافات الشاسعة الهائلة التي يستعظمها الناس مثل ما بين الأرضين والسماوات ليست شيئا بالنسبة لقدرة الله تعالى. ولسنا نرى تعارضا بين هذا وبين ما جاء في الحديث الصحيح في الوقت نفسه ؛ حيث يبدو منه أن القصد هو بيان كون يوم القيامة طويلا جدا على الناس حتى لكأنه خمسون ألف عام مما يعدونه من أيامهم.
ومهما يكن من أمر فالخبر الذي احتوته الجملة القرآنية من المغيبات المتصلة بسر الله وملائكته. ومن الواجب الوقوف عنده موقف التصديق دون التخمين مع واجب تنزيه الله تعالى عن المكان والحدود الجسمانية، ومع واجب الإيمان بأنه لا بد من أن يكون لورود الجملة بالأسلوب الذي وردت به حكمة سامية. وقد يكون من هذه الحكمة على ضوء الآيتين الآخيرتين [ ٦-٧ ] أنها بسبيل الرد على الكفار الذين يستعجلون العذاب استهتارا أو تحديا ويسألون هازئين عن سبب تأخيره بأن ما يظنونه بعيدا هو عند الله تعالى قريب وإن اليوم عنده ليعدل خمسين ألف سنة من سنيهم. والله أعلم.
التفسير الحديث
دروزة