ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘ

من اللَّه تعالى، هذا هو ظاهر الكلام، في متعارف اللسان، ولكن يحتمل هذا وجوها:
أحدها: أن يكون هذا القسم من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كأنه علمه أن يقسم به ويقول له: قل يا مُحَمَّد: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ).
وإن كان هذا قسما من اللَّه تعالى فهو مستقيم - أيضا - من وجهين:
أحدهما: على الإضمار؛ كأنه قال: فلا أقسم بي؛ فأنا رب المشارق والمغارب.
والثاني: وإن كان هذا القسم من اللَّه تعالى يستقيم بلفظ الغائب كما يستقيم بلفظ الحاضر؛ لأن الخلق كله لله شهود، وليس هو شاهدًا للخلق، فيخرج الكلام بينهم على ما يخاطب الغائب، ومرة على الوجه الذي يخاطب به الشاهد، ومثل هذا مستعمل في متعارف اللسان، واللَّه أعلم.
وفي الآية دلالة على أن ملك السماوات والأرضين ومدبرهما واحد؛ إذ لو لم يكن كذلك لكان لملك السماء أن يمنع الشمس والقمر والكواكب من إيصال النفع إلى أهل الأرض، ويكون لملك الأرض أن يمنع ملك السماء عن الإغراب في الأرض.
ثم الذي يشرق ويغرب منذ خلق يجري على ما جرى عليه التدبير جريا واحدا لم يقع فيه تغيير ولا تبديل، ولو كان لله تعالى فيه شريك لكان لا بد من وقوع التغيير فيها؛ فثبت أن تدبير السماوات والأرضين وتدبير سلطانهما راجع إلى الواحد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) هذا موضع القسم، فجائز أن يكون أريد به: أن يبدل الخير منهم، فيجعل مكان ما كانوا من الشر خيرا؛ كقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا)، وقد فعل ذلك؛ لأنهم أسلموا.
ويحتمل أن يكون أراد به أن يبدل قوما خيرا منهم.
ثم هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: على تحقيق القدرة.
والثاني: أن يكون معنى القدرة إرادة الفعل.
أما الأول فعلى وجهين:
أحدهما: على معنى تخويف أهل مكة أنهم إن لم ينتهوا عن ذلك، أنزل اللَّه تعالى

صفحة رقم 214

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية